حسن اليوسفي المغاري
---------------------
المغرب "يجرّم" الشكّ في
التزوير و"يُقدّس" الانتخابات!
مادة قانونية مثيرة للجدل
تنص الفقرة الثانية من المادة المضافة
إلى القانون، والمُشار إليها بـ“المادة 51 المكررة”، على أن: "يعاقب بنفس
العقوبة كل من قام أو ساهم أو شارك، بأي وسيلة من الوسائل المشار إليها في الفقرة
أعلاه، في نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع إشاعات أو أخبار زائفة بقصد التشكيك
في صدقية ونزاهة الانتخابات"
..
ففي سابقة قانونية خطيرة، يبدو أن
السلطة في المغرب قررت أن تكتب آخر فصول الديمقراطية الهشة في البلاد، من خلال
مشروع قانون انتخابي جديد يعاقب بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات وغرامة تصل إلى 100
ألف درهم، لكل من تجرأ على “التشكيك في صدقية أو نزاهة الانتخابات”.
نعم، السجن لمن يشكك!
فمجرد أن تقول إن الانتخابات “غير
نزيهة” أو إن التزوير وقع هنا أو هناك، يمكن أن يُعتبر ذلك جريمة مكتملة الأركان
يعاقب عليها القانون.
قانون لا لحماية الشفافية… بل لحماية
الفساد الانتخابي نفسه.
المادة 51 المكرّرة: سجن النقد وتقديس
الصناديق
المادة، المضافة إلى القانون التنظيمي
رقم 27.11، تتضمن عقوبات صارمة لكل من قام ببث أو نشر أو نقل “أخبار زائفة أو
ادعاءات كاذبة” تمس الحياة الخاصة للمرشحين أو تشكك في نزاهة الانتخابات، سواء عبر
وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية.
لكن الصياغة الغامضة والمطاطة للمادة
تفتح الباب واسعاً أمام تأويل كل رأي أو تدوينة أو تعليق أو نقاش سياسي على أنه
“مساس بنزاهة الانتخابات”، لتتحول المادة إلى سلاح قانوني لتكميم الأفواه وإسكات
كل صوت معارض.
قانون “الخط الأحمر” الجديد: لا تقترب
من التزوير!
بدل أن تبني السلطة الثقة عبر ضمان
الشفافية والمحاسبة، اختارت تجريم الشك ذاته.
القانون لا يحمي نزاهة الاقتراع، بل
يحمي من يشرف على التزوير ويمنح الحصانة لمن يعبث بإرادة الناخبين.
بهذا النص، يصبح الفساد الانتخابي مصونا
بالقانون، محميا بالسجن والغرامة، ومُقدّسا تحت عنوان “الأخبار الزائفة”.
من يشكك في التزوير يُسجن، ومن يزور
يُكرّم ويواصل مسيرته في صمت تام!
تراجع مريع في الحريات
هذا المشروع يعيد المغرب عقودا إلى
الوراء في مسار حرية التعبير، إذ يجعل من النقد السياسي جريمة، ومن الصحافة الحرة
تهديدا، ومن المواطن الواعي عدوا للدولة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن
“التحول الرقمي” و”الذكاء الاصطناعي”، تصدر مشروع قانون يحوّل الذكاء إلى خطر إذا
استُعمل لكشف الحقيقة.
إنها ديمقراطية على الورق، واستبداد على
الواقع.
حرية التعبير تُختزل اليوم في حدود
المديح، أما من يسأل أو ينتقد أو يشكك، فمكانه السجن.
تناقض فاضح مع التزامات المغرب الدولية
هذا المشروع يناقض تماما التزامات
المغرب أمام مجلس حقوق الإنسان وضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية
والسياسية، ولا سيما المادة 19 منه، التي تنص صراحة على أن:
"لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق
حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين، دونما
اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".
كما يتعارض هذا التوجه مع الدستور
المغربي نفسه (الفصل 25)، الذي يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير بجميع أشكالها.
وبالتالي، فإن تمرير مثل هذا القانون
يُعد انتكاسة صريحة لالتزامات المغرب الحقوقية، وعودة إلى منطق الرقابة السلطوية
التي تُغلّف نفسها بخطاب “محاربة الأخبار الزائفة”.
الخلاصة..
بهذا المشروع، يُراد قتل الوعي الشعبي
باسم حماية النزاهة.
إنه قانون لا لمواجهة الأخبار الزائفة،
بل لتزوير الوعي الجماعي وفرض الصمت على كل من يرى في الانتخابات مجرد مسرحية
سياسية محبوكة مسبقا.
إنه ببساطة قانون لحماية الفساد
الانتخابي وتحصين المزوّرين من المحاسبة، وتجريم المواطن الذي يجرؤ على قول
الحقيقة.

تعليقات