في الحاجة إلى استعادة المعنى السياسي والأخلاقي للدولة



كشف الفساد ليس تآمُراً..

 - حسن اليوسفي المغاري - 

elyousfi@gmail.com


في كل المجتمعات التي تحترم نفسها، يشكل كشف الفساد وظيفة وطنية نبيلة، تمارسها الصحافة الحرة، والهيئات الرقابية، والفاعلون المدنيون، باعتبارها آلية لحماية المال العام وصيانة الثقة في المؤسسات. أما في البيئات التي تتضخم فيها شبكات الريع وتغدو المصالح المتشابكة أقوى من روح القانون، فإن مجرد طرح الأسئلة يتحول إلى "جريمة معنوية"، ويصبح الصحافي أو الحقوقي أو الباحث أو المواطن الذي يطالب بالمحاسبة، مُتّهَما بالتحريض، أو التشويش، أو خدمة "أجندات خارجية"!

هذا التحول الخطير في طبيعة النقاش العمومي بالمغرب، لم يعد مجرد انزلاق لغوي أو سياسي عابر، بل صار يعكس أزمة عميقة في مفهوم الدولة نفسها: هل الدولة هي المؤسسات والقانون والمصلحة العامة؟ أم أنها شبكة مصالح مغلقة، يُعتبر الاقتراب منها مسا بـ"هيبة الوطن"؟ وهل الوطنية تعني حماية المجتمع من الفساد، أم حماية الفساد من المجتمع؟

لقد أصبح من اللافت أن كل نقاش جدي حول تضارب المصالح، أو الاحتكار، أو استغلال النفوذ، أو نهب المال العام، يُواجَه بخطاب تخويني جاهز، لا يردّ على الوقائع والأرقام، بل يهاجم النوايا والذمم. وحين تُطرح ملفات المحروقات، أو الصفقات العمومية، أو اقتصاد الامتيازات، أو شبكات الاستفادة غير المشروعة من الدعم العمومي، لا يكون الجواب توضيحا للرأي العام أو فتحا لتحقيقات مستقلة، وإنما إطلاق حملات تشهير ضد كل من يطالب بالمحاسبة.. إنهم "الخفافيش الظلامية العنكبوتية"!!!

الأخطر من ذلك، أن جزءا من النخب السياسية والإعلامية صار يتعامل مع الفساد باعتباره "تفصيلا ثانويا" أمام ما يسمونه "استقرار الدولة"، وكأن الاستقرار يمكن أن يقوم فوق اقتصاد الريع، أو فوق شعور جماعي بالظلم، أو فوق انعدام تكافؤ الفرص. والحال أن التاريخ السياسي المقارن يعلمنا أن أخطر ما يهدد استقرار الدول ليس النقد، بل الإفلات من العقاب؛ وليس الصحافة الاستقصائية، بل تحوّل المؤسسات إلى غطاء لحماية النافذين.

إن ما تنشره أحيانا بعض المنابر الرقمية من وثائق ومعطيات حول شبهات نهب الثروة وتضارب المصالح والاغتناء غير المشروع - سواء اتفقنا أو اختلفنا مع منهجها التحريري - يفرض سؤالا جوهريا: لماذا يغيب التفاعل المؤسساتي الرسمي والقانوني الجدي مع هذه المعطيات؟ ولماذا لا تُفعَّل آليات الافتحاص والمساءلة القضائية والإدارية كلما طُرحت وقائع موثّقة توثيقا محلّفا بالأرقام والتواريخ؟!

الدولة القوية لا تخاف من التحقيق، بل تخاف من الصمت. والدولة الواثقة من مؤسساتها لا تعتبر الرقابة الشعبية تهديدا، بل تعتبرها شرطا من شروط الشرعية الحديثة.

إن ربط كل انتقاد للفساد بخدمة "أجندات أجنبية" ليس فقط خطابا تبسيطيا، بل هو أيضا إهانة للوعي الجماعي للمغاربة. فالمواطن الذي يرفض نهب المال العام لا يعمل ضد وطنه، بل يدافع عن حقه في وطن عادل.. والصحافي الذي يفضح تضارب المصالح لا يهدد استقرار الدولة، بل يحاول حماية ما تبقى من مصداقيتها. أما الذين يحوّلون النفوذ السياسي إلى وسيلة للاغتناء، ويحتكرون الثروة والصفقات والامتيازات، ثم يطالبون المجتمع بالصمت باسم "الوطنية"، فهم في الحقيقة من يُضعف الثقة في الدولة ويغذي الإحساس العام بالاحتقان واللاعدالة.

إن المغاربة اليوم لا يطالبون بمعجزات سياسية، بل يطالبون بشيء بسيط وواضح: أن تكون الثروة مرتبطة بالاستحقاق لا بالقرب من السلطة، وألا يتحوّل النفوذ الانتخابي إلى وسيلة لشراء الصمت أو تبييض تضارب المصالح أو الإفلات من المحاسبة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد ثقته في جدوى السياسة نفسها، حين يرى أن من تحوم حولهم شبهات الفساد لا يختفون من المشهد، بل يعودون إليه أكثر قوة وصخبا وتأثيرا – وهذا ما يحصل للأسف!  –

ثم إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي منظومة سياسية هو تحويل الفاسد إلى شخصية مُحصّنة أخلاقيا وإعلاميا، بحيث يصبح مجرد مساءلته نوعا من "المحرّمات السياسية". هنا تنتقل الدولة من منطق المؤسسات إلى منطق الولاءات، ومن دولة القانون إلى دولة الامتيازات. فالفساد لا يصبح خطرا فقط حين ينهب المال العام، بل حين ينجح في إعادة تعريف الوطنية بما يخدم استمراره.

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من حملات التخوين، بل إلى تعاقد وطني جديد يعيد الاعتبار للمحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالمساءلة، باعتبار أنها مبادئ دستورية لا شعارات ظرفية. فالدول لا تُبنى بالصمت عن الفساد، ولا بتخويف الأصوات الناقدة، ولا بإنتاج إعلام وظيفي يُلمّع الواقع بدل مساءلته.

 الدول تُبنى حين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع، وأن الثروة الوطنية ليست غنيمة لفئة قليلة، وأن المؤسسات ليست مجرد واجهات شكلية لحماية مراكز النفوذ.

لقد آن الأوان للتمييز بوضوح بين الدولة والريع، بين الوطن والفاسدين، بين الاستقرار الحقيقي واستقرار الامتيازات. لأن الدفاع عن المجتمع ضد النهب ليس تآمرا، بل هو المعنى الحقيقي للوفاء للوطن.




جريدة بيان اليوم عدد 9 يونيو 2026 الصفحة 8

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..