من قلب باريس..
بالعربي من باريس
- حسن اليوسفي المغاري -
في
مدينة يتكلّم فيها الحجر، أدركتُ أن الوجود لا يُقاس بضخامة ما يُرى، بل بعمق ما
هو في الباطن.
باريس،
في جوهرها، ليست مكانا بقدر ما هي سؤال. من عبرها بعين الظاهر رأى الأشكال، ومن
عبرها بعين الباطن واجه ذاته. فالمكان الواحد يمنح كل قادمٍ إليه على قدر استعداده
الوجودي، لا على قدر جماله الموضوعي.
كل
خطوة في هذه المدينة تكشف مفارقةً قديمة: أن الإنسان يظن أنه يقطع المسافات بين
الجغرافيات، بينما هو في الحقيقة يقطع المسافة الوحيدة التي تعنيه: تلك التي بين
نفسه وأصلها.
وددتُ
لو أن هذا التنوع البشري المتراكم في شوارع المدينة، العصرية والقديمة – بألسنته
وألوانه – يتحوّل من مجرد تعايشٍ مادي إلى وحدة في المعنى؛ إذ الاختلاف، فلسفيا،
ليس نقيض الوحدة الإنسانية، بل أحد شروط اكتمالها.
وفي
زحمة العابرين، تكشّف لي أن الغربة ليست انفصالا جغرافيا، بل انفصالٌ عن الحقيقة
الداخلية للذات. قد يقيم المرء في وطنه وهو أشد غربة من غريبٍ يعرف من هو.
سلامٌ
على وعيٍ لا يزال يرى في الصباح إمكانًا، وفي الغروب معنى، وفي كل لقاء أثَرا من
نظام أكبر لا يُرى.
باريس
ليست محطة في خط الزمن، بل مرآة تُواجهك حين يخفت ضجيج الوجود الخارجي، فيبدأ حوار
الأنا مع ذاتها. هي لا تكشف عن معالمها بقدر ما تُسقط عنك الأقنعة: الاسم، والدور،
والوهم، حتى لا يتبقى سوى الضمير عاريًا أمام نفسه.
كل
مدينة تمنحك عنوانا تنتمي إليه، أما هذه المدينة فتنزع عنك كل العناوين، وتتركك
وحيدا أمام الحقيقة الأولى والأخيرة: اعرف نفسك!
تعليقات