بلاغ وزارة الداخلية حول أحداث سبتة.. خطاب السردية الأمنية في مواجهة الأزمة الاجتماعية

 

 - حسن اليوسفي المغاري - 

elyousfi@gmail.com


جاء بلاغ وزارة الداخلية المغربية بعد أربعة أيام من اندلاع أكبر موجة عبور جماعي نحو سبتة المحتلة، وهي مدة زمنية طويلة نسبيا في أزمة استحوذت على اهتمام الإعلام الدولي، وشهدت بيانات وتصريحات متلاحقة من السلطات الإسبانية، وتغطية واسعة من كبريات وسائل الإعلام العالمية.

ولذلك، فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليس ما الذي قاله البلاغ، وإنما: لماذا تأخر؟ وما الذي أراد أن يصححه بعد أن أصبحت الرواية الإعلامية والسياسية للأزمة قد تشكلت بالفعل؟

 

خطاب دفاعي لا خطاب تفسير

منذ الفقرة الأولى، لا يتجه البلاغ إلى تفسير الظاهرة بقدر ما يتجه إلى نفي المسؤولية عنها.

فالفاعل الأساسي في الرواية الرسمية ليس الاختلالات الاجتماعية أو الاقتصادية، ولا حجم اليأس الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وإنما "الفضاء الرقمي"، و"المعلومات المضللة"، و"عصابات الاتجار بالبشر"، و"التأويلات الخاطئة".

وبذلك يتحوّل السبب من أزمة اجتماعية وسياسية داخلية إلى عوامل خارجية أو تقنية، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي صنعت الأزمة، لا الظروف التي جعلت آلاف الشباب مستعدين لتصديق تلك الرسائل أصلا.

التضليل قد يكون عاملا محفزا، لكنه لا يفسر وحده استعداد هذا العدد الكبير للمجازفة بحياته.

 

الغائب الأكبر: الواقع الاجتماعي

أكثر ما يلفت الانتباه في البلاغ أنه يخلو تماما من أي إشارة إلى السياق الاجتماعي.

لا حديث عن البطالة

ولا عن الفوارق الاجتماعية

ولا عن تراجع القدرة الشرائية

ولا عن انسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشباب

وكأن الهجرة الجماعية حدث منفصل عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجته.

وهنا يفقد البلاغ أحد أهم عناصر المصداقية، لأن الخطاب الذي يتجاهل الأسباب البنيوية ويكتفي بوصف المظاهر يبقى خطابا ناقصا.

 

تناقض في الأرقام ومنهج عرضها

يحاول البلاغ أن يمنح نفسه سلطة "المرجع الوحيد"، عندما يؤكد أن معطياته هي وحدها الدقيقة، وأن ما عداها يفتقر إلى الأسس الموضوعية، غير أن هذا الطرح يثير أكثر من سؤال..

فإذا كان العدد الحقيقي يقارب أربعين ألف شخص حاولوا العبور نحو سبتة، وبأن عدد الوفيات هو 11 وفاة، فإن ذلك لا يعكس نجاح المقاربة الأمنية بقدر ما يكشف حجم الاحتقان الاجتماعي وقدرة الدعوات الرقمية على تعبئة هذا العدد الكبير.

وبعبارة أخرى، فإن الرقم الذي قُدم لإثبات نجاح الدولة يتحول، في القراءة السياسية، إلى مؤشر على عمق الأزمة المجتمعية.

 

الاعتراف المتأخر بالحكم القضائي الإسباني

البلاغ يعترف، بأن الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية كان عاملا مؤثرا في تطورات الأزمة.

غير أن هذا الاعتراف جاء متأخرا، بعدما كانت وسائل الإعلام الإسبانية والأوروبية قد جعلت من هذا الحكم محورا أساسيا لفهم ما جرى.

كما أن البلاغ يختزل أثر الحكم في "سوء التأويل"، بينما تشير المعطيات المتداولة آنذاك إلى أن القرار القضائي فرض بالفعل واقعا قانونيا جديدا استدعى من مدريد تعديل وسائل المراقبة والضبط، بما في ذلك إنشاء الحاجز البحري العائم وتعزيز الإجراءات الميدانية.

 

صمت عن المستجدات الميدانية

رغم صدور البلاغ بعد عدة أيام، فإنه لا يأتي على ذكر أهم التطورات التي شهدتها الأزمة.

فلا إشارة إلى شروع السلطات الإسبانية في إقامة الحاجز البحري قبالة "تاراخال"، وهو إجراء يحمل أبعادا أمنية وسياسية تتجاوز مجرد مكافحة الهجرة.

ولا يتناول البلاغ ما ترتب عن التعاون المغربي الإسباني من إعادة من دخلوا المدينة وفق الإجراءات القانونية، رغم أن ذلك كان من أبرز التطورات التي ساهمت في إنهاء الموجة.

إن تجاهل هذه الوقائع يجعل البلاغ يبدو وكأنه يصف أزمة لم تكتمل فصولها بعد.

 

خطاب النجاح الإداري

يعتمد البلاغ لغة إدارية مُطوّلة، تتكرر فيها عبارات من قبيل:

-المقاربة الاستباقية

-الرصد المبكر

-التحكم في مجريات الوضع

-تعزيز اليقظة

-صون النظام العام

-احترام مبدأ التناسب

غير أن كثافة هذه المصطلحات لا تجيب عن السؤال الجوهري:

كيف استطاع هذا العدد الكبير من الأشخاص الوصول إلى مرحلة محاولة العبور إذا كانت كل أدوات الرصد والاستباق قد فعلت منذ البداية؟

فالبلاغ يحتفي بالإجراءات أكثر مما يُقيّم نتائجها.

 

غياب البعد السيادي

يتحدث البلاغ عن "نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية"، وهي صياغة إدارية محايدة، يتجنب أي تذكير بأن المدينتين محتلتان، رغم أن هذا المعطى حاضر باستمرار في الخطاب الرسمي المغربي في مناسبات أخرى.

وهذا الاختيار اللغوي يعكس رغبة في التركيز على الجانب الأمني والتقني، وتجنب إدخال البعد السيادي في لحظة يغلب عليها منطق التنسيق الثنائي مع مدريد.

 

لغة بيروقراطية أكثر منها تفسيرية

البلاغ مكتوب بلغة بيروقراطية عالية، تكثر فيها الجمل الطويلة والمصطلحات الإدارية، لكنه يقدم تفسيرا محدودا للأزمة.

فهو يسعى إلى الطمأنة وإبراز قدرة الدولة على التحكم، أكثر مما يسعى إلى فتح نقاش صريح حول الأسباب التي جعلت آلاف الشباب يعتبرون الهجرة، بكل مخاطرها، خيارا ممكنا.

 

خلاصة القول

هذا البلاغ ليس بيانا لتفسير أزمة اجتماعية بقدر ما هو بيان لإدارة تداعياتها السياسية والإعلامية.

لقد ركز على نفي المسؤولية، وإبراز نجاعة التدخل الأمني، وتصحيح بعض الروايات المتداولة، لكنه لم يقترب من السؤال الحقيقي الذي فرضته الأحداث:

لماذا وصل هذا العدد الكبير من الشباب إلى قناعة بأن المخاطرة بالموت في البحر أقل قسوة من البقاء داخل الوطن؟

فالفضاء الرقمي لا يصنع اليأس، وإنما يستثمره.

وعصابات الاتجار بالبشر لا تخلق الرغبة في الهجرة، وإنما تتغذى على وجودها.

أما الأزمة الحقيقية، فهي أعمق من منشور مضلل أو تأويل قانوني خاطئ؛ إنها أزمة ثقة في المستقبل، وأزمة اتساع للفوارق الاجتماعية، وأزمة أفق لدى جيل كامل يرى أن الضفة الأخرى، مهما كانت بعيدة أو خطرة، أقرب إلى تحقيق الكرامة من واقعه اليومي.

ولهذا، فإن أي خطاب رسمي يكتفي بتوصيف أدوات الأزمة ويتجنب مساءلة جذورها البنيوية، يبقى خطابا يدير الحدث، لكنه لا يفسره، ويحتوي تداعياته، لكنه لا يقدم إجابة عن أسبابه.

 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..