حين تتحول الجنازات إلى شهادة إدانة للعالم..
- حسن اليوسفي المغاري -
ليست هذه صورة لجنازة جماعية فحسب، بل هي صورة لمحكمة أخلاقية يقف فيها العالم كله في قفص الاتهام.
على امتداد المشهد، لا تبدو الأكفان
الفلسطينية مجرد أقمشة تلف أجساد الضحايا، وإنما تتحول إلى أعلام تفضح انهيار
النظام الدولي، وتكشف أن القانون الإنساني الذي طالما تباهت به القوى الكبرى، أصبح
انتقائيا إلى حد فقدان معناه.
في غزة، شُيِّع أكثر من مائة شهيد من
عائلتي أبو شريعة والحساينة بعد عامين ونصف من الانتظار تحت الأنقاض. عامان ونصف
احتاجتهما العائلات لتستعيد أشلاء أبناءها من تحت الركام، بينما كان العالم يكتفي
بإصدار البيانات، وعقد الاجتماعات، وتكرار عبارات "القلق البالغ" التي
لم تنقذ طفلا، ولم توقف قذيفة، ولم تمنع مجزرة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة أن
أكثر من مائة وخمسين فلسطينيا قُتلوا في غزة خلال الشهر الماضي وحده. أرقام جديدة
تُضاف إلى سجل طويل من الضحايا، حتى بات الموت حدثا يوميا لا يهز ضميرا، ولا يحرك
إرادة سياسية، ولا يدفع المجتمع الدولي إلى تجاوز حدود الإدانات اللفظية.
لقد تجاوزت المأساة حدود الحرب
التقليدية. نحن أمام سياسة استنزاف ممنهجة للحياة الفلسطينية، تُمارس تحت غطاء
سياسي وعسكري ودبلوماسي توفره الولايات المتحدة، بينما تواصل إسرائيل عملياتها
بثقة كاملة بأنها لن تُحاسب، ولن تواجه عقوبات حقيقية، ولن تُفرض عليها إرادة
القانون.
إنها غطرسة صهيوأمريكية تستند إلى ميزان
قوى مختل، يقابله عجز دولي لم يعد مجرد فشل في حماية المدنيين، بل أصبح في نظر
كثيرين شكلا من أشكال التواطؤ المكشوف، حين تتحول المؤسسات الدولية إلى شهود على
المأساة بدل أن تكون أدوات لوقفها.
ولعل أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد
الشهداء وحده، وإنما اعتياد العالم على مشاهد الموت. فكلما ازدادت المجازر، تراجعت
مساحة الصدمة، وكأن الضمير العالمي أصيب بتخدير دائم، حتى أصبح الفلسطيني مطالبا
في كل مرة بإثبات إنسانيته قبل أن يُسمح له بالحصول على التعاطف.
لكن التاريخ لا يكتب بالبيانات الرسمية
وحدها، بل يكتبه أيضا ذلك المشهد الذي تختصره هذه الصورة: صفوف طويلة من بقايا
أجساد وسط أكفان مغطاة بالعلم الفلسطيني، وشعب يودع أبناءه بصمت يعلو على كل
الخطب، ويعلن أن الذاكرة أقوى من محاولات الطمس، وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا
تسقط بالتقادم.
ستبقى هذه الصورة شاهدا على زمن اختُبرت
فيه الإنسانية، فسقطت حكومات، وفشلت مؤسسات، وانكشف زيف كثير من الشعارات التي
رفعتها القوى الكبرى عن حقوق الإنسان وسيادة القانون.
ولعل السؤال الذي سيطرحه المؤرخون
مستقبلا لن يكون: كم شهيدا سقط في غزة؟ بل سيكون: كيف استطاع العالم أن يرى كل ذلك
ثم يختار الصمت؟

تعليقات