تنظيمٌ ذاتي تحت الوصاية وتجميلٌ مؤسساتي لواقع إعلامي مأزوم

 

  - حسن اليوسفي المغاري - 

elyousfi@gmail.com


بعد ثلاثة عقود في مهنة الصحافة، لا أكتب اليوم من موقع المتفرج، ولا من حنين رومانسي إلى زمن مضى. أكتب من موقع من عاش المهنة من الداخل، عرف غُرف الأخبار، وعاين تحوّلات الصحافي والمؤسسة الإعلامية، واشتغل في بيئة كان فيها القلم ــ بكل محدوديته ــ يحاول أن يحتفظ بمسافة ضرورية عن السلطة والمال والمصالح.

ولهذا أجدني مضطراً إلى طرح سؤال يبدو صادما، لكنه أصبح مشروعا:

هل لدينا اليوم صحافة بالمعنى المهني والحقوقي والأخلاقي الذي يجعل الحديث عن "التنظيم الذاتي للمهنة" قابلا للتصديق؟

فالمشكلة لم تعد في النصوص وحدها، ولا في تغيير القوانين، ولا في إعادة تركيب المؤسسات. المشكلة أعمق من ذلك بكثير.

المشكلة في الفجوة المتّسعة بين الصورة التي يجري تقديمها عن المشهد الإعلامي المغربي، وبين الواقع الذي يعيشه الصحافي والمؤسسة والقارئ.

هناك، من جهة، خطاب رسمي ومؤسساتي كثيف عن التقدم والعصرنة والحكامة وحقوق الإنسان واستقلالية المهنة والتنظيم الذاتي.

وهناك، من جهة أخرى، واقع مهني واجتماعي واقتصادي لا يحتاج إلى كثير من التجميل حتى يظهر اختلالاته.

وبين الصورتين تقف الصحافة المغربية اليوم في منطقة رمادية.

 

التنظيم الذاتي أم الإدارة غير المباشرة للمهنة؟

التنظيم الذاتي للصحافة ليس مجرد تسمية قانونية. إنه فلسفة ديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط: أن تدير المهنة شؤونها بنفسها، وأن يحتكم الصحافيون إلى مؤسسات مهنية مستقلة، وأن تكون السلطة العمومية ضامنة للإطار القانوني، لا طرفا متحكما في مخرجات التنظيم المهني.

أما إذا أصبح التنظيم الذاتي محكوما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحسابات إدارية أو سياسية أو بموازين نفوذ خارج الجسم المهني، فإننا لا نكون أمام تنظيم ذاتي بالمعنى الديمقراطي الكامل، وإنما أمام إدارة للمهنة من خارجها بوسائل أكثر نعومة وأقل ظُهورا.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أكبر الإشكالات التي ينبغي أن نتجرأ على طرحها.

هل نريد فعلا تنظيما ذاتيا مستقلا، أم نريد مؤسسة تبدو مستقلة في الشكل، لكنها قابلة للتوجيه في الجوهر؟

هذا السؤال لا يستهدف الأشخاص، ولا يطعن في نيات الأفراد أو المؤسسات. إنه سؤال جوهري موجّه للجميع حول النظام نفسه، وآليات إنتاج القرار داخله، ومقدار استقلال الفاعل المهني عن مراكز النفوذ الإداري والسياسي والاقتصادي. لأن الاستقلالية لا تُقاس بما تقوله النصوص عن نفسها، وإنما تُقاس بما تستطيع المؤسسة أن تقوله عندما يكون قول الحقيقة مُكلّفاً.

 

قانون يقولون عنه متقدم وممارسة تتراجع

من المفارقات التي تستحق التوقف أن المغرب – كما يحلو للبعض أن يقول - راكم خلال العقود الأخيرة ترسانة من النصوص والمقتضيات المتعلقة بالصحافة وحرية التعبير والحقوق والحريات والتنظيم المهني.. لكن إذا كان النص متقدما فإنه لا يُنتج بالضرورة ممارسة متقدمة.

يمكن أن تكون لدينا قوانين حديثة، ومؤسسات منتخبة، وهياكل تنظيمية، وخطاب حقوقي متطور، وفي الوقت نفسه نجد الصحافي مُحاصرا بالهشاشة، والمؤسسة الإعلامية خاضعة لضغط الاقتصاد، والمشهد العمومي غارقا في الاستقطاب، والفضاء الرقمي مفتوحا على التشهير والتضليل والابتزاز.

القانون لا يصبح ديمقراطيا بمجرد أن يحمل لغة الحقوق.. الديمقراطية المهنية تُقاس أيضا بمدى قدرة الصحافي على ممارسة حقه في السؤال، والتحقيق، والنقد، والاختلاف، دون أن يتحوّل استقلاله المهني إلى مخاطرة دائمة بمصدر رزقه أو مستقبله.

 

الصحافة التي لا تعكس المجتمع ليست صحافة مطمئنة

المجتمع المغربي اليوم ليس مجتمعا بلا مشاكل.. هناك تفاوتات اجتماعية واقتصادية، بطالة، هشاشة، ارتفاع كلفة المعيشة، أزمات في الخدمات العمومية، احتقان اجتماعي، أسئلة متزايدة حول العدالة الاجتماعية، وفجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وتجارب قطاعات واسعة من المواطنين.. إضافة إلى ما نشاهده اليوم من نزوح جماعي نحو سبتة السليبة في محاولة للبحث عن عيش كريم!

وهنا تظهر وظيفة الصحافة الحقيقية.. ليس مطلوبا منها أن تكون مرآة سوداء للمجتمع، ولكن ليس من حق أحد أن يُحوّلها إلى مرآة مصقولة تخفي التشققات.

الصحافة ليست جهاز علاقات عامة.

وليست ملحقا تجميليا للمشهد المؤسساتي.

وليست وظيفة الصحافي أن يثبت كل صباح أن الأمور تسير على ما يرام.

وظيفته أن يسأل: هل تسير فعلا على ما يرام؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟

وحين تصبح المسافة بين الواقع والخطاب الرسمي واسعة إلى درجة يصعب معها على المواطن أن يتعرف على حياته اليومية في الإعلام الذي يفترض أن ينقلها، فإن الخلل لا يعود تحريريا فقط. إنه يصبح خللا في وظيفة الإعلام داخل المجتمع.

 

"اللوبيات" و"الطفيليات" التي تزدهر في الفراغ

لا يمكن أيضا تجاهل صعود أشكال من الممارسة الإعلامية التي حوّلت الصحافة من مهنة للبحث عن الحقيقة إلى مجال لتصفية الحسابات وصناعة النفوذ.

منابر تقتات على الإثارة.. حسابات تتغذى على التشهير.. مواقع تجعل من الابتزاز نموذجا اقتصاديا.. أسماء تتعامل مع الصفة الصحافية باعتبارها امتيازا أو أداة ضغط.. ومؤسسات إعلامية "مستقلة" تعاني اقتصاديا إلى درجة أنها تقبل أداء أجور صحافييها لسنوات من طرف الدولة، وهي بذلك تجعل استقلال القرار التحريري نفسه موضع سؤال.

هذه ليست مجرد "ظواهر سلبية" عابرة، إنها أعراض أزمة بنيوية. والأخطر أن ترك المجال لهذه الطفيليات يضر بالصحافي المهني أكثر مما يضر بأي طرف آخر، لأن المواطن يبدأ في فقدان الثقة في الصفة الصحافية نفسها، وهو ما حصل بالفعل.. وعندما تتساوى الصحافة المهنية في عين الجمهور مع التشهير والابتزاز وصناعة الفضائح، تكون المهنة قد خسرت جزءا مهما من رأسمالها الأخلاقي.

 

وماذا عن الصحافيين الشرفيين؟

أقول هذا أيضا من موقع الصحافي الشرفي.

ثلاثة عقود من العمل تجعلني أرفض فكرة أن الصحافي ينتهي بمجرد أن تنتهي مسيرته الوظيفية. الصحافي الشرفي يحمل ذاكرة المهنة، وتاريخها، وأرشيفها، وتجاربها، وأخطاءها، وانتصاراتها. وإذا كان هناك من يريد بناء صحافة جديدة، فعليه أن يُصغي أيضا إلى من عاشوا مراحلها السابقة.

تهميش الصحافيين الشرفيين ليس مجرد مسألة اجتماعية، إنه جزء من أزمة الذاكرة المهنية نفسها. فالقطاع الذي لا يحترم ذاكرته المهنية يفقد جزءا من قدرته على تصحيح مساره.. لسنا بحاجة إلى تجميل الأزمة، ما تحتاجه الصحافة المغربية اليوم ليس حملة جديدة لتجميل صورتها.

الصحافة المغربية اليوم تحتاج إلى مراجعة صريحة وشجاعة. نحتاج إلى أن نتوقف عن الخلط بين تحديث النصوص وتحديث الممارس، بين وجود المؤسسات واستقلالها، بين الانتخابات والديمقراطية المهنية، بين التنظيم الذاتي والإدارة غير المباشرة للمهنة، بين حرية التعبير وحرية الوصول إلى المعلومة، وبين وجود عشرات أو لنقل مئات المنابر ووجود صحافة قوية قادرة بصحافة التحقيق على مساءلة السلطة والمال والنفوذ.

ليس كل ما يحمل عنوان "الإصلاح" إصلاحا ومُصلحا. وليس كل ما يرتدي لباس القانون والحقوق والديمقراطية يُحقّق بالضرورة مضمونها.

أحيانا يكون أخطر أشكال التراجع هو ذلك الذي يأتي في صورة تقدم، وأخطر أشكال التحكم هو ذلك الذي لا يظهر باعتباره تحكما، وأكثر أشكال التهميش فاعلية هو الذي يمنح المهمَّش شعورا بأنه حاضر، بينما تُسحب منه تدريجيا القدرة على التأثير.

 

المجلس ليس غاية

لذلك، فإن النقاش حول المجلس الوطني للصحافة يجب ألا يُختزل في الأشخاص والمقاعد والانتخابات واللوائح.. المجلس ليس غاية في ذاته.

المجلس، من المفروض أنه وسيلة لحماية المهنة، وضمان أخلاقياتها، والدفاع عن استقلالها، وحماية الصحافي، وتنظيم العلاقة بين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية.

وإذا تحوّل المجلس إلى مجرد مؤسسة "تدير" الأزمة بدل أن تعالج جذورها، فإننا سنكون أمام فشل آخر لبناء المهنة، وهذا هو الخطر الحقيقي.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى واجهة مؤسساتية "مزوّقة"، المغرب يحتاج إلى صحافة تستطيع أن تعكس المجتمع كما هو، لا كما يراد له أن يظهر.. يحتاج إلى صحافي يستطيع أن يقول "لا" عندما يجب أن يقولها.. يحتاج إلى مؤسسة إعلامية لا تخشى خسارة إعلان لأنها قالت الحقيقة. ويحتاج إلى تنظيم ذاتي لا يسأل: من يرضى عنا؟ بل يسأل: هل أدينا واجبنا كما يُفترض تجاه المهنة والمجتمع؟

 

بعد ثلاثين عاما في الصحافة، ثم خارجها اليوم بصفة صحافي شرفي، لا أملك ترف الصمت، ولم أملكه يوما وأدّيت الثمن مرارا في صمت ودون ضجيج...

أقول: لقد تغيرت المهنة، نعم.. تغيرت التكنولوجيا، وتغير الجمهور، وتغير الاقتصاد الإعلامي، وتغيرت أدوات التأثير. لكن شيئا واحدا لا ينبغي أن يتغير: أن تكون الصحافة صحافة. وأن يبقى الصحافي صحافيا، لا تابعا ولا موظفا في خدمة النفوذ.

وأن يكون التنظيم الذاتي ذاتيا فعلا، بعيدا عن أي برمجة سياسية أو ولاء لجهة من الجهات المعروفة بقبضتها الحديدية على حرية الرأي والتعبير.. باختصار شديد، أن يكون التنظيم الذاتي لا مجرد عنوان جميل فوق آلية أخرى لإدارة المجال الإعلامي. لأن القضية في النهاية ليست: من يجلس في المجلس؟

القضية أكبر بكثير:

من يملك حق صناعة الحقيقة في هذا البلد؟ ومن يملك حق مساءلة من يصنعون القرار؟

وهنا تبدأ معركة الصحافة الحقيقية.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..