مشروع قانون 026/25 الخاص بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وسؤال متطلبات الاستقلالية والمهنية في ظل منطق الوصاية
* حسن اليوسفي المغاري _
ندوة النقابة
الوطنية للإعلام والصحافة التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل CDT
السبت 26 يوليوز 2025
تقديم عام:
يأتي مشروع قانون إعادة تنظيم
المجلس الوطني للصحافة في سياق سياسي وتشريعي مطبوع بتنامي حضور السلطة التنفيذية
في الشأن الإعلامي، وتراجع المكتسبات الدستورية المرتبطة بحرية التعبير وتنظيم
المهنة. هذا المشروع الذي يُفترض أن يُجسّد روح التنظيم الذاتي للصحفيين، يُحيل في
مضمونه ومقاصده إلى تكريس منطق "الوصاية المقننة" بدل دعم استقلالية
الجسم الصحفي وتعزيز آليات المحاسبة المهنية.
التنظيم الذاتي هو منظومة
أخلاقية ومؤسساتية تسمح للمشتغلين في الحقل الصحفي بتنظيم شؤون مهنتهم من خلال
آليات مستقلة عن الدولة، مثل إصدار الميثاق الأخلاقي، وتدبير شكايات الجمهور،
وتأديب الصحفيين عند الإخلال بمواثيق الشرف.
أولا: في السياق السياسي والقانوني
للمشروع
- في السياق الدستوري، ينص
الفصل 28 من الدستور على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل
من أشكال الرقابة المسبقة، ويجب أن يحترم القانون استقلالية وسائل الإعلام.”
- كما أن الفصل 25 ينص على حرية
الرأي والتعبير بجميع أشكالها، وهو ما يُعدّ مرجعية دستورية للتنظيم الذاتي
كضمانة لهذه الحريات.
- )للتذكير( صدر أول قانون منظم للمجلس الوطني للصحافة
سنة 2016 (القانون رقم 90.13)، وكان يُعدّ مكسبا من حيث التنصيص على مبدأ
التنظيم الذاتي، رغم بعض ملاحظات التطبيق والهيكلة.
- المشروع
الجديد 026/25 يأتي بعد انتهاء مدة انتداب المجلس، وتعثّر
تجديد هياكله، ما دفع الحكومة إلى إصدار مرسوم تمديد استثنائي )اللجنة المؤقتة(.
- لكن
بدل فتح نقاش تشاركي واسع مع مهنيي الصحافة حول أسباب الأعطاب، تم إعداد
مشروع قانون يُعيد صياغة المجلس وفق رؤية عمودية تُغيّب فلسفة التنظيم الذاتي.
ثانياً: قراءة نقدية في بنود
المشروع
1- التراجع
عن مبدأ التنظيم الذاتي
- الفصل
الأول من
المشروع يُحافظ ظاهريا على الصيغة السابقة في تعريف المجلس، لكنه يُدرج
تعديلات تُؤسس لتدخّل غير مسبوق للسلطة التنفيذية.
- السلطة
الحكومية المكلّفة بالاتصال
تُمنح صلاحيات موسعة في التأشير على التعيينات، وتوجيه السياسة العامة
للمجلس، في تضارب مع الاستقلالية المؤسساتية.
2- تركيبة
المجلس : من انتخاب المهنة إلى منطق التعيين
- في
الصيغة السابقة، كان ثلثا أعضاء المجلس يُنتخبون من طرف المهنيين، والثلث
يُعيّن.
- المشروع
الجديد يُعزز من حضور المعيّنين على حساب المنتخبين، ما يُفرغ المجلس من
جوهره التمثيلي.
- التمثيلية
المهنية تم
تقليصها، وإضافة سنة في مدة العضوية: 5 سنوات عوض 4.
- غياب
ضمانات الشفافية في اختيار المعينين يُثير المخاوف من هيمنة
"الولاءات" بدل الكفاءة.
بحيث
نجد 19 عضوا موزعين على 3 فئات:
-
فئة ممثلي الصحافيين المهنيين عن طريق الانتخاب: 07 أعضاء من بينهم 3
صحافيات على الأقل.
-
فئة ممثلي الناشرين: 07 أعضاء تنتدبهم المنظمات المهنية + عضوين 2 من
الناشرين الحكماء.
-
فئة المؤسسات والهيئات: 03 أعضاء يتم تعيينهم.
3- الصلاحيات
التأديبية : بين الضرورة والانتقائية
- يُمنح
المجلس صلاحيات واسعة فيما يخص التأديب، لكن دون وجود معايير واضحة للفصل في
القضايا المهنية، ما يُهدد باستعمال هذه السلطة لتصفية الحسابات أو قمع
الأصوات المستقلة.
- غياب
هيئة مستقلة للطعن أو المراجعة، يُضعف ضمانات العدالة المهنية.
4- المهام
الجديدة : بين التوجيه المهني والتأطير السياسي
- المشروع
يُضيف للمجلس مهام تتعلق بـ"تأطير الخطاب الإعلامي"، وهو مصطلح
فضفاض قد يُستغل لتقنين المحتوى والرقابة الناعمة.
- إحداث
مرصد تتبع الممارسة الصحفية،
دون توضيح آليات الاشتغال والرقابة، يُنذر بتحول المجلس إلى جهاز تتبع بدل
مؤسسة تقويم.
ثالثاً: ملاحظات على مستوى المنهجية
والنهج التشاركي
- لم
يتم عرض المشروع للنقاش العمومي ...، كما غابت الاستشارات الموسعة مع الهيئات
المهنية والصحفية.
- هذا
يُخالف مقتضيات الفصل 12 و13 من الدستور المغربي، التي تُلزم السلطات
العمومية بإشراك الجمعيات والهيئات المهنية في إعداد السياسات العمومية.
رابعاً: في دلالات اللحظة الراهنة
- في
ظل سياق يتميّز بتضييق متزايد على حرية الصحافة، وبروز خطاب يُشيطن الصحفيين
المستقلين، فإن تمرير مشروع بهذه الحمولة، يُعد نكوصا تشريعيا خطيرا.
- المشروع
يُحوّل المجلس من مؤسسة تنظيم ذاتي إلى "مفوضية حكومية" بصيغة
مهنية، تُشرعن هيمنة السلطة على الحقل الإعلامي.
خامسا: في السياق الدولي
تؤكد اليونسكو على أن
“الهيئات التنظيمية المستقلة للصحافة تشكّل ضمانة أساسية لحماية التعددية وحرية
الإعلام”. وتوصي بوثيقة الدار البيضاء (1997) بأن تتمتع هيئات التنظيم الذاتي
باستقلال مالي ومؤسساتي، وتُدار من قبل الصحفيين أنفسهم.
كما ينص مجلس حقوق الإنسان
التابع للأمم المتحدة في تعليقه العام رقم 34 على المادة 19 من العهد الدولي
للحقوق المدنية والسياسية، بأن “على الدول عدم التدخل في إنشاء هيئات الإعلام المستقلة أو محاولة
التأثير على تشكيلها أو تمويلها بما يحدّ من استقلاليتها“.
مقارنات دولية في التنظيم الذاتي
للصحافة
1.
المملكة المتحدة (IPSO):
o
هيئة مستقلة يُموّلها الناشرون وتضم ممثلين عن الجمهور والصحافة.
o
لا تُشرف عليها أي جهة حكومية، وتصدر تقاريرها وقراراتها بشكل علني
وشفاف.
2.
ألمانيا (Presserat):
o
تأسست بقرار من الجسم الصحفي بعد الحرب العالمية الثانية، وتُمثل
نموذجا للتنظيم الذاتي الأخلاقي.
o
لا تمتلك صلاحيات قانونية إلزامية، لكنها تفرض رقابة معنوية فعالة.
3.
السويد (Pressens
Opinionsnämnd):
o
يُعد من أكثر المجالس استقلالية، وقراراته ملزمة أخلاقيا وتُنشر في
وسائل الإعلام.
o
يجمع بين ممثلي الصحفيين والناشرين والجمهور، في نموذج تشاركي
ديمقراطي.
سادسا: خاتمة وتوصيات
مشروع القانون الجديد لا يعزز
التنظيم الذاتي، بل يُكرس لنموذج هجين بين الرقابة والتنظيم، مما يُفقد المجلس
هويته وشرعيته المهنية. وفي ظل هذه الوضعية، فإن المخرج يكمن في:
1.
إرجاع الصياغة إلى روح التنظيم الذاتي كما يُقرّه الدستور.
2.
تعزيز تمثيلية الجسم المهني داخل المجلس بنسبة لا تقل عن الثلثين.
3.
ضمان التمويل الذاتي للمجلس وتقييد التدخل الحكومي فيه.
4.
توضيح مساطر التأديب والطعون وفقا للمعايير الحقوقية الدولية.
5.
الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة بدل استنساخ أو اعتماد قانون
رقابي هجين.
6.
الامتثال لتوصيات الهيئات الدولية مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان
فيما يخص استقلالية المؤسسات الإعلامية.
خلاصة عامة:
إن مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس
الوطني للصحافة بصيغته الحالية لا يستجيب لمتطلبات الاستقلالية والمهنية، بل يُمثل
انتكاسة دستورية وقيمية في مسار حرية الإعلام.
المطلوب ليس فقط إصلاح مؤسسة، بل إعادة الاعتبار لفلسفة التنظيم الذاتي كشرط أساسي لصحافة حرة ومستقلة في مغرب اليوم.


تعليقات