المسؤولية فعل والحرية مسؤولية والفعل الصحافي التزام أخلاقي


   حسن اليوسفي المغاري

---------------------

تظل العلاقة بين الحرية والمسؤولية إحدى القضايا المركزية في الفكر الإنساني، لما تحمله من إشكاليات وجودية وأخلاقية وسياسية. وقد أولت الفلسفة الغربية،

Emmanuel Kant - Jean-Paul Sartre - Hannah Arendt

من كانط إلى سارتر وحنة أرندت، هذه الجدلية عناية كبرى، لكنها ليست غريبة عن الفكر الإسلامي الذي رسّخ مبكّرا مبدأ أن الإنسان مكلَّف، أي حر في اختياره لكنه محمّل بمسؤولية أمام الله والناس. وإذا كان هذا البعد يظهر في المجال الفردي، فإنه في السياق الإعلامي يتضاعف، لأن الكلمة الصحافية ليست شأناً خاصّا، بل فعل عمومي يترتب عنه أثر مباشر على الوعي الجماعي.

المسؤولية فعل لا مجرد قول

في الفلسفة الأخلاقية عند إيمانويل كانط، يتحدد الفعل الأخلاقي بما يمليه الواجب، لا بما يترتب من نتائج (أسس ميتافيزيقا الأخلاق). ومن ثَمّ، فالمسؤولية لا تُقاس بالنيات بل بتجسدها في الواقع. وهو ما يلتقي مع التصور الإسلامي حين نجد في القرآن الكريم قوله تعالى:

"كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ" (الصف: 3).

الآية تؤكد أن القول المنفصل عن الفعل هو نفاق أخلاقي، وأن المسؤولية الحقيقية لا تكمن في الادعاء، بل في تحويل المبدأ إلى ممارسة. ومن هنا نفهم أن قول الحق ليس مجرد موقف لفظي، بل فعل وجودي يعكس التزاما حقيقيا.

الحرية امتحان دائم للمسؤولية

يذهب جان بول سارتر إلى أن الإنسان "محكوم بالحرية"، أي لا يستطيع التملص من تبعات اختياراته (الوجود والعدم). كل فعل أو امتناع عن فعل هو اختيار، وبالتالي مسؤولية.

وفي الفكر الإسلامي، يبرز المبدأ ذاته من خلال مفهوم التكليف: فالإنسان خُلق حرّاً لكنه محاسب:

"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة: 7-8).

هذه الآية تجسد فكرة أن الحرية ليست مطلقة، وإنما هي حرية مسؤولة، تُختبر في أفعال ملموسة، ويُسأل عنها الإنسان فردياً.

الفعل الإعلامي بين الحرية والمسؤولية

ترى حنة أرندت أن الفعل يكتسب قيمته في الفضاء العمومي، حيث يصبح الإنسان مرئيا أمام الآخرين (العمل والحالة الإنسانية). وفي الإعلام، هذا الفضاء يتجلى في الكلمة والصورة. فالصحافي لا يمارس حريته في فراغ، بل في ساحة مشتركة، حيث كل انحراف عن الحقيقة هو خيانة للمسؤولية.

هذا ما يتناغم مع ما كتبه أبو حامد الغزالي حين شدّد على أن الكلمة أمانة، وأن "اللسان بريد القلب" (إحياء علوم الدين). فالصحافة، بهذا المعنى، ليست مهنة فقط، بل تكليف ورسالة، تضع صاحبها أمام سؤال أخلاقي دائم: هل يستخدم حريته ليخدم الحقيقة والعدل، أم يوظفها لتزييف الوعي؟

أما ابن خلدون، فنجده يربط بين صدق الأخبار واستقامة العمران، مؤكدا أن تزييف المعلومة يفسد الرأي العام ويفضي إلى اختلال الاجتماع البشري (المقدمة). وهو تصور يلتقي مع معايير الصحافة المعاصرة التي ترى في المسؤولية المهنية شرطا للحرية الإعلامية.

نحو فلسفة للفعل المسؤول

يمكن القول إن الحرية والمسؤولية في الفكرين الغربي والإسلامي يلتقيان في حقيقة واحدة: لا وجود لحرية بلا مسؤولية، ولا لمسؤولية بلا فعل. الحرية من دون التزام تتحول إلى فوضى، والمسؤولية بلا حرية تنقلب إلى قيد.

في النهاية، يتحدد المعنى الإنساني للوجود في القدرة على الفعل الحر المسؤول، أي فعلٍ يجسد القيم في الواقع. وفي المجال الصحافي، هذا المعنى يتضاعف، لأن الكلمة هنا ليست مِلكاً لصاحبها فقط، بل هي أمانة أمام المجتمع والتاريخ.

في المحصّلة..

إذا جمعنا بين هذه المقاربات، نجد أن المسؤولية ليست مجرد إضافة للحرية، بل هي شرط تحققها. فالحرية بلا مسؤولية تتحول إلى عبثية، بينما المسؤولية من دون حرية تتحول إلى إكراه. الجمع بينهما هو ما يحدد معنى الوجود الإنساني، حيث يصبح الفعل الحر المسؤول تجسيداً للكرامة الإنسانية.

وعليه، يمكن القول إن المسؤولية فعل والحرية مسؤولية، لا باعتبارهما شعارات بل باعتبارهما جوهر التجربة الإنسانية في أبعادها الأخلاقية والسياسية والوجودية.


تعليقات