النرجسية بديلا عن المكاشفة: عزيز أخنوش بين تدليس الخطاب وواقع المغاربة المتردّي

 


حسن اليوسفي المغاري

-------------------- 

بصفتي متابعا للشأن الإعلامي والسياسي المغربي وخطاباته الرسمية، تابعت الحوار التلفزيوني الأخير لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وأعدت الاستماع إليه مرة ثانية للتأمل في مضامينه وطريقة إدارته. ما خرجتُ به من قراءة دقيقة قادني إلى هذه الورقة التي تكشف أن الحوار لم يكن مناسبة للمكاشفة أو المصارحة، بل مجرد عرض اتصالي متحكَّم فيه مسبقا، يخاطب الصورة أكثر مما يخاطب المواطن.

أسئلة على المقاس لا تُحرج المسؤول

من أول وهلة، ظهر أن طبيعة الأسئلة المطروحة باهتة وضعيفة، وكأنها صيغت لتسهيل الحوار لا لاختبار صدق الأجوبة. لقد بدت على النقاش علامات الاتفاق المسبق، وهو ما أسقط الحوار في فخ المصطنع. والحال أن أبجديات الحوار الصحفي التلفزيوني تقتضي العكس: جرأة، نقد، ومواجهة بالمعطيات التي تُحرج المسؤول وتدفعه للاعتراف أو التوضيح.

حوار اتفاق مسبق يقتل الحقيقة

بدلاً من أن يُشكّل الحوار لحظة إعلامية كبرى لمحاسبة رئيس الحكومة على حصيلة تدبيره، تحوّل إلى منصة علاقات عامة، هدفها الأساس تلميع الصورة وترويج خطاب رسمي مُعلّب. هنا ضاع جوهر مهنة الصحافة: البحث عن الحقيقة وكشف التناقضات بمعطيات وأرقام صادرة عن مؤسسات دستورية.

حين تتحول الأرقام إلى واجهة لتدليس الواقع

أخنوش قدّم أرقاما ومعطيات اقتصادية مالية واجتماعية، حول النمو، الاستثمارات، والتعليم والصحة... لكن المواطن المغربي يُكذّبها يوميا حين يدخل السوق فيصطدم بغلاء الأسعار، أو يرافق ابنه إلى مدرسة عمومية متدهورة، أو ينتظر ساعات طويلة في مستشفى يفتقر للتجهيزات. الأرقام، في هذا السياق، لم تكن سوى غطاء لتدليس واقع خانق.

غياب الاعتراف بالفشل.. لغة مراوغة بدل المصارحة

الحوار خلا من أي اعتراف صريح بالاختلالات أو الفشل في تلبية انتظارات الشارع. الأجوبة جاءت مراوغة، تعيد تدوير الشعارات نفسها، دون تقديم حلول عملية أو آجال واضحة. وهو ما يعكس أزمة أعمق: غياب الجرأة السياسية في مواجهة الحقيقة.

الشارع المغربي يُكذّب خطاب الحكومة

بينما حاول رئيس الحكومة أن يرسم صورة وردية عن المستقبل، ظل الواقع يروي حكاية أخرى: بطالة متفاقمة، خدمات اجتماعية متدهورة، وقدرة شرائية تنهار يوما بعد يوم. الفجوة بين الخطاب والواقع لم تعد مجرد “انطباع شعبي”، بل أصبحت حقيقة راسخة تُضعف الثقة في الخطاب السياسي برمته.

إعلام عمومي يتحول إلى أداة علاقات عامة

الصحافة التلفزيونية، حين تُختزل في أسئلة مُعلّبة وأجوبة مراوغة، تتحول إلى مجرد أداة علاقات عامة في يد السلطة. هذا ما جعل الحوار يفشل فشلا ذريعا، لأنه لم يكن حوارا بالمعنى المهني للكلمة، بل عرضا موجها يخاطب صورة رئيس الحكومة أكثر مما يخاطب هموم المواطنين.

خلاصة رأي

لم يكن الحوار الأخير لعزيز أخنوش مكاشفة ولا مساءلة، بل كان مسرحية اتصالية باردة عززت قناعة المغاربة بأن الحكومة تعيش في عالم موازٍ، تُحاور نفسها وتُروّج لوهم الأرقام، فيما يظل الواقع اليومي للمواطن شاهدا على الفشل.


تعليقات