الوضع الصحي في المغرب.. احتجاجات تفتح ملف "التهميش الممنهج"


 حسن اليوسفي المغاري 

--------------------- 

أضحت الشوارع في عدد من المدن المغربية، ولو بشكل متقطع، مسرحا لاحتجاجات يعلو فيها هتاف المطالبة بـوضع صحي جيد. هذه الحركات الاحتجاجية، التي تخرج من رحم المعاناة اليومية، ليست سوى القشرة الخارجية لأزمة هيكلية أعمق، تطرح أسئلة مصيرية حول طبيعة الخدمات العمومية ودورها في تحقيق العدالة الاجتماعية.

صورة قاتمة وواقع يومي

من المستشفيات المكتظة، ونقص في الأطر الطبية والتمريضية، إلى غياب الأدوية الأساسية وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص، يعيش المواطن المغربي العادي حالة من القلق الدائم. تحوّل "الوضع الصحي المتردي" من مجرد شكوى متداولة إلى واقع ملموس يدفع ثمنه الفقراء والطبقة المتوسطة بشكل أكبر، ما يوسّع هوة التفاوت الاجتماعي.

السيد محمد (55 عاماً) من سكان نواحي المدينة الاقتصادية، يقول: "الرحلات إلى العاصمة للعلاج أصبحت جزءا من روتين حياتنا. المستشفى المحلي يفتقر لأبسط التجهيزات. عندما يمرض أحد أفراد أسرتي، لا أفكر في العلاج أولا، بل في كيفية توفير ثمنه". هذه الشهادة تعكس معاناة ملايين من المغاربة الذين يرون في الحق الدستوري في الصحة مجرد نص نظري.

من الاحتجاج إلى السؤال الجوهري

يرى بعض الملاحظين أن الاحتجاجات الصحية هي تعبير عن استنفاد الصبر. التهميش الممنهج الذي تتحدث عنه الحركات الاجتماعية ليس تهميشا جغرافيا فقط، بل هو تهميش للكرامة الإنسانية. عندما يرى المواطن أن صحته وتعليم أبنائه وعدالة قضائه غير مضمونة، فإن شرعية العقد الاجتماعي بأكمله تُسأل.

كما تم التأكيد خلال الاحتجاجات على أن الرسالة واضحة؛ أي نظام حكم لا يجعل من الصحة والتعليم والقضاء أولوية مطلقة، هو نظام يغذّي نفسه على حساب المجتمع، ويُنتج أشكالا متعددة من الاستغلال.

مسؤولية متقاسمة وحلول شاملة

في المقابل، تشير الحكومة في أكثر من مناسبة إلى المجهودات المبذولة، وإلى إطلاق مخططات لإصلاح المنظومة الصحية، مثل تعزيز التغطية الصحية الشاملة وتأهيل المستشفيات. إلا أن هذه الإجراءات، في نظر الكثيرين، مجرد كلام سياسي وإجراءات غير عملية بل ومضللة، وبأن معظم القرارات لا تتناسب مع حجم وسرعة تدهور الخدمات.

إن المشكلة ليست في غياب المخططات، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتمويل الخدمات العمومية. الميزانيات المخصصة للصحة والتعليم لا تزال دون المستوى المطلوب مقارنة بالدول التي تسعى لتحقيق تنمية بشرية حقيقية. لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية باقتصاد لا يضع الإنسان في القلب.

العدالة الاجتماعية.. من الشعار إلى التطبيق

الملفت أن المحتجين وخبراء كثيرين يربطون بشكل عضوي بين الصحة والتعليم والقضاء، باعتبارهم "ثلاثية الكرامة" التي تقاس بها درجة تقدم وتطور المجتمعات. فالشاب الذي يحصل على تعليم جيد يساهم في بناء الاقتصاد، والمواطن الذي يتمتع بصحة جيدة يكون أكثر إنتاجية، والفرد الذي يثق في قضائه ينخرط باطمئنان في الحياة العامة.

السؤال الذي تتركه الاحتجاجات معلقا في الهواء: هل ستكون هذه الصيحات ناقوس إنذار لإصلاح جذري وشامل، يضع أسس مجتمع ديمقراطي حقيقي قائم على العدالة الاجتماعية، أم أنها ستكون مجرد احتجاجات عابرة تذروها رياح التهميش والإهمال؟ 

تعليقات