الصهيونية المسيحية.. مذهب ديني متطرف يوظف السياسة لخدمة مشروع استعماري

 


حسن اليوسفي المغاري

-------------------- 

تُعد الصهيونية المسيحية واحدة من أخطر المذاهب الدينية – السياسية التي عرفها العصر الحديث، إذ تحوّلت من عقيدة لاهوتية بروتستانتية نشأت في أوروبا وأمريكا في القرن التاسع عشر إلى أداة ضغط هائلة على السياسات الدولية، خاصة الأمريكية. جوهر هذا المذهب يقوم على الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" شرط ضروري لعودة المسيح، وأن دعم قيام "إسرائيل" ليس خيارا سياسيا بل واجب ديني مقدس.

من هذا المنطلق، التقت مصالح الصهيونية المسيحية مع اللوبيات الصهيونية اليهودية المتطرفة، ليُشكِّلا تحالفا خطيرا يشرعن الاحتلال والتهجير والحروب ضد الشعب الفلسطيني، ويبرّرها باعتبارها "تنفيذا للمشيئة الإلهية".

ترامب: ترجمة مذهبية للسياسة الأمريكية

يشكل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب النموذج الأوضح لتأثير هذا المذهب في القرار السياسي. ففي ولايته الأولى، أعلن عام 2017 اعترافه بالقدس "عاصمة أبدية لإسرائيل"، معتبرا أن هذه الخطوة "تاريخية" و"مباركة"، وهو ما ينسجم مع عقيدة الصهيونية المسيحية التي ترى السيطرة اليهودية على القدس شرطا لتحقيق "الخطة الإلهية".

ومع عودته إلى البيت الأبيض مطلع 2025، وفي سياق الحرب المدمرة على غزة التي اندلعت بعد أحداث أكتوبر 2023، قدّم ترامب تصريحات ومشاريع تعكس منطق المذهب المتطرف بوضوح:

في فبراير 2025 تحدث عن خطة أمريكية للسيطرة على غزة، لم يستبعد فيها إرسال قوات أمريكية، واقترح تحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" بعد تهجير سكانه. هذه الخطة، التي وُصفت دوليا بأنها "تطهير عرقي"، جسدت العقيدة الصهيونية المسيحية التي ترى غزة أرضا يجب تطهيرها من الفلسطينيين.

لاحقا، ورغم تراجعه الجزئي عن الحديث الصريح عن الترحيل، ظل يكرر أن بقاء الفلسطينيين في غزة "غير منطقي"، وهو خطاب يحمل مضمونا دينيا _ سياسيا يشرعن إلغاء الوجود الفلسطيني.

في مايو 2025 صرّح أن "الكثير من الناس في غزة يموتون جوعا" وأن الولايات المتحدة "ستتكفل بالأمر"، لكنه لم يمارس أي ضغط على إسرائيل لوقف الحصار أو العدوان، مكتفيا بالخطاب الإنساني لتغطية دعم مذهبي ثابت.

شخصيات أخرى ومواقف متطرفة

لم يكن ترامب وحده في هذا الاتجاه، فقد عبّرت شخصيات أمريكية نافذة عن مواقف تنسجم مع عقيدة الصهيونية المسيحية:

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام صرّح بعيد عملية أكتوبر 2023 أن الحرب "دينية"، داعيا إلى تسوية غزة بالأرض بلا تمييز بين مقاتلين ومدنيين.

نواب جمهوريون متشددون، مثل براين ماست، ذهبوا أبعد حين وصفوا الأطفال الفلسطينيين بأنهم "إرهابيون محتملون"، وهو خطاب يبرر القتل الجماعي تحت غطاء ديني.

شخصيات إنجيلية بارزة، على غرار مايك بنس نائب ترامب السابق، دأبت على الترويج لفكرة أن "إسرائيل هي تحقيق لوعد الله لشعبه"، مما يمنح الاحتلال بعداً لاهوتيا.

ما بعد أكتوبر 2023: الحرب كتحقيق لنبوءة

اندلاع الحرب على غزة بعد 7 أكتوبر 2023 أتاح لهذا المذهب فضاء عمليا لتبرير جرائم غير مسبوقة. فالحصار والتجويع والدمار والتهجير جرى تسويقه في خطاب سياسي _ ديني، على أنه "معركة بين شعب الله المختار وقوى الشر". بل إن الخطط التي طُرحت لإخراج الفلسطينيين من غزة إلى سيناء أو أماكن أخرى عُرضت باعتبارها "حلولا نهائية" تفتح المجال أمام إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشروعا توراتيا _ إنجيليا مشتركا.

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية هذه السياسات "جريمة ضد الإنسانية" و"تطهيرا عرقيا"، استمر الخطاب المسيحي الصهيوني في واشنطن وبعض الدوائر الغربية في الدفاع عن إسرائيل باعتبارها "تدافع عن نفسها"، بينما يُحرَم الفلسطينيون من حقهم التاريخي والإنساني في الأرض والعودة.

خلاصة: أيديولوجيا العنف بغطاء ديني

إن الصهيونية المسيحية ليست مجرد اجتهاد ديني، بل مشروع سياسي عنيف يوظف العقيدة لتبرير الاستيطان والإبادة والتشريد. تصريحات ترامب بعد عودته للبيت الأبيض، ومواقف شخصيات أمريكية نافذة مثل ليندسي غراهام ومايك بنس، تعكس هذا التزاوج بين الدين والسياسة. فالقضية الفلسطينية في نظر هؤلاء ليست قضية حقوق إنسان أو نزاع سياسي، بل معركة نبوئية مقدسة.

بهذا المعنى، تتحول غزة والقدس وسائر فلسطين إلى فضاء لاهوتي يُختزل فيه ملايين البشر إلى عقبة ينبغي إزالتها لتحقيق "وعد إلهي"، وهو ما يجعل من الصهيونية المسيحية واحدة من أخطر الأيديولوجيات التي عرفها العالم، حيث يلتقي التطرف الديني مع اللوبيات المالية والسياسية الصهيونية لإنتاج تحالف يهدد الأمن والسلم الدوليين.

 

تعليقات