ألم يحن الوقت لإعادة النظر في سياسة تهميش الريف؟



حسن اليوسفي المغاري
--------------------- 

 منذ عقود طويلة، يعيش الريف المغربي على وقع سياسات اقتصادية واجتماعية أقل ما يقال عنها إنها إقصائية. هذا التهميش البنيوي لم يكن مجرد انطباع، بل واقع ملموس في البنية التحتية، في الخدمات الصحية، في فرص الشغل، وفي غياب العدالة المجالية بين الريف وباقي ربوع الوطن. وهو ما أفرز، بشكل طبيعي، شعورا بالغبن لدى ساكنة المنطقة التي لطالما اعتبرت جزءا أصيلا من التراب الوطني، وقدمت عبر التاريخ تضحيات جسام في سبيل استقلال المغرب ووحدته.

الريف: تاريخ من المقاومة والانتماء

لا يمكن الحديث عن الريف دون استحضار شخصية المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي قاد واحدة من أنبل معارك التحرر ضد الاستعمار. إرث الخطابي لم يكن مجرد ملحمة عسكرية، بل هو ذاكرة جماعية تؤكد أن الريف جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية، وأنه ساهم في بناء مسار السيادة الوطنية. من هنا، فإن أي خطاب يحاول نزع الريف من سياقه الوطني، أو إلصاق نزعات الانفصال به، هو مجانب للحقيقة التاريخية والواقعية.

حراك الريف: صرخة اجتماعية لا أكثر

عندما خرجت ساكنة الحسيمة والنواحي فيما سمي بـ"حراك الريف" (2016-2017)، لم يكن الحراك سوى تعبيرا عن مطالب اجتماعية صرفة: مستشفى لعلاج مرض السرطان، جامعة تُجنب أبناء المنطقة عناء الهجرة الداخلية، فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وبنية تحتية تليق بتاريخ ومكانة المنطقة. لكن تعاطي الدولة مع هذه المطالب، كان – وللأسف – أمنيا أكثر منه تنمويا، وهو ما ساهم في توسيع رقعة الاحتقان بدل احتوائه.

وفاة أحمد الزفزافي: لحظة رمزية تعيد الأسئلة المؤجلة

وفاة أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي المعتقل على خلفية الحراك، والمحكوم بعشرين سنة سجنا نافذا، أعادت إلى الواجهة أسئلة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. فقد شكلت جنازته مناسبة لاستعراض تشبث ساكنة الريف بقيم الانتماء للوطن، وبحقهم المشروع في حياة كريمة، داخل مغرب يتسع لكل أبنائه دون ميز أو إقصاء.

وفي خضم هذه اللحظة المؤثرة، سمحت الدولة لناصر الزفزافي بحضور جنازة والده، في لفتة إنسانية واجتماعية لها دلالات عميقة. هذه المبادرة أعطت الانطباع بأن المجال ما يزال مفتوحا أمام خطوات عملية لإعادة بناء الثقة، وأن الدولة قادرة -حينما تريد - على إظهار وجه إنساني يعترف بخصوصية اللحظات العاطفية والوطنية الكبرى.

الإشارات الإيجابية في كلمة ناصر الزفزافي

خلال حضوره جنازة والده، ألقى ناصر الزفزافي كلمة عفوية من أعلى سقف بيته، كلمة حملت بدورها إشارات إيجابية لافتة. فقد دعا إلى التمسك بالوحدة الوطنية، ونبذ أي خطاب انفصالي أو معادٍ للوطن، وهو ما يفيد ضمنيا إلى أن مطالب "حراك الريف" كانت دائما اجتماعية وحقوقية بالأساس.

كما شدد على أن الريف جزء من المغرب، وأن السعي إلى الكرامة والعدالة المجالية لا ينفصل عن الانتماء الوطني. هذه الكلمات، الصادرة من رمز الحراك نفسه، تشكل بدورها أرضية خصبة لإعادة فتح صفحة جديدة عنوانها الثقة والمصالحة.

نحو مصالحة حقيقية مع الريف

اليوم، وبعد مرور سنوات على أحداث الحراك، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في السياسة المتبعة تجاه المنطقة. المصالحة الحقيقية لا تكون بالشعارات، بل عبر إجراءات ملموسة:

إطلاق مشاريع تنموية تضع حدا للهشاشة.

الاستثمار في التعليم والصحة والبنيات التحتية.

طي ملف المعتقلين وفتح صفحة جديدة قوامها الثقة بين الدولة والمجتمع.

الاعتراف بالريف كرافد من روافد الهوية الوطنية، لا كمنطقة مشبوهة (الأوباش) أو مثقلة بتاريخ الاحتجاج.

نخلص إلى..

إن الريف ليس هامشا جغرافيا ولا سياسيا، بل هو جزء من المركز، من ذاكرة المغرب وواقعه ومستقبله. وأي مشروع تنموي وطني لا يضع الريف في صلب أولوياته، سيظل ناقصا.

لقد آن الأوان لسياسة جديدة، تجعل من الكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية ركيزة أساسية، وتضع حدا لعقود من التهميش والإقصاء، ليس مع الريف وحده، بل وباقي مناطق المغرب المهمّش... فالمصالحة مع الريف هي في جوهرها مصالحة مع التاريخ ومع المستقبل، ومع مغرب يتسع للجميع دون استثناء، مغرب يسير بسرعة واحدة لا بسرعتين.


تعليقات