هل من يملك الخبر يملك بالضرورة الحقيقة؟


 

   حسن اليوسفي المغاري

------------------------

في زمن تسارع الأخبار وتعدد المنصات، يُخيَّل للناس أن من يسبق إلى نشر الخبر يسبق إلى امتلاك الحقيقة. لكن، هل الخبر هو الحقيقة فعلا؟ أم أنه مجرد شظية من مشهد أعقد، يُقدَّم بانتقائية مقصودة أو غير مقصودة؟

الحقيقة أن الخبر ليس سوى معلومة جزئية، قد تصيب جوهر ما جرى أو تبتعد عنه بقدر ما تُصاغ وتُوجَّه. من يملك الخبر يملك أداة للتأثير، لا ضمانة للصدق المطلق. فالمؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، وحتى المنصات الاجتماعية، تتحرك في فضاء تحكمه أجندات سياسية واقتصادية وأحيانا أيديولوجية، تجعل الخبر محمّلا بخلفيات لا يراها المتلقي لأول وهلة.

انظروا إلى الحروب والنزاعات، وخير مثال ما يقع اليوم في غزة مثلا، أو في أوكرانيا... الخبر وازدواجية المعايير، أين الحقيقة؟

وإذا تعمّقنا في السياسات الداخلية، فالمشهد لا يقل التباسا. الحكومة في المغرب مثلا ترفع شعار "الدولة الاجتماعية"، وتضخ الأخبار عن برامج الدعم، والمشاريع، والمنجزات. لكن الواقع الذي يعيشه المواطن يكشف فارقا صارخا بين الخطاب والعيان: غلاء متصاعد، تعليم وصحة مأزومان، وقرارات تخدم مصالح فئوية أكثر مما ترسخ العدالة الاجتماعية. هنا، الخبر لا يكشف الحقيقة، بل يزيّن واجهة تخفي أعطابا بنيوية.

إن الخبر يُصاغ، بينما الحقيقة تُبنى عبر التقاطعات والتعددية والنقد. الحقيقة ليست مِلكا لمصدر واحد، بل ثمرة جمع الشظايا المتناثرة من كل صوب، وتمحيصها بعقل ناقد لا يكتفي بالظاهر.

خلاصة القول: من يملك الخبر لا يملك الحقيقة، بل يملك مفتاحا إلى بوابة التأويل. أما الحقيقة فهي بناء تراكمي يحتاج إلى شجاعة في البحث، وحرية في تداول المعلومات، ووعي جماعي لا يسمح بأن يُختزل العالم في جملة عابرة على شاشة.


تعليقات