حسن اليوسفي المغاري--
------------------
الاعتراف: خطوة متأخرة في سياق تاريخي
من الناحية السياسية والتاريخية، يُعتبر
هذا الاعتراف من قبل دول مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا تصحيحا لمسار طال انتظاره.
فالكيان الإسرائيلي قد تم الاعتراف به كدولة منذ عام 1948، بينما ظل الشعب
الفلسطيني ينتظر تحقيق حلم الدولة. لذلك، يبدو هذا القرار للكثيرين كخطوة نحو
إعادة التوازن وإنصاف للرواية الفلسطينية.
بين الاعتراف السياسي والشروط
القانونية: إشكالية التطبيق
عند فحص هذا الاعتراف تحت مجهر القانون
الدولي، تبرز عدة إشكاليات أساسية تطرح سؤالا محوريا: هل نعترف بدولة قائمة
بالفعل، أم نعترف بحق موجود ونعمل على تجسيده؟ تشمل هذه الإشكاليات:
1. مقومات الدولة المادية: أين هي حدود
الدولة الفلسطينية بشكل واضح ومتفق عليه؟ وأين عاصمتها (القدس الشرقية) التي لا
تزال تحت سيطرة فعلية إسرائيلية؟ وأين مقدراتها الاقتصادية وجيشها النظامي؟ كل هذه
الأسس المادية للدولة إما غائبة أو مقيدة بشكل كبير.
2. التمثيل والوحدة: أين هو الشعب
الفلسطيني موحدا تحت قيادة سياسية واحدة؟ فالانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غاز
يضعف من قدرة الفلسطينيين على التمثيل الموحد، وهو أحد شروط الدولة الفاعلة.
3. الاستقلالية والتبعية: هل السلطة
الفلسطينية مستقلة في قرارها أم أنها تابعة؟ تشير الوقائع إلى أن قدرة السلطة على
ممارسة الحكم في مناطق (أ) محدودة، وأنها تعتمد بشكل كبير على التنسيق الأمني مع
إسرائيل وعلى المساعدات الدولية، مما يضع علامة استفهام حول استقلاليتها الكاملة.
4. السيادة الفعلية: تفتقر السلطة
الفلسطينية إلى السيادة الكاملة على مجالها الجوي وبريها ومياهها. فالسيطرة
الفعلية لممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية دون عوائق تبقى مقيدة
بالاحتلال الإسرائيلي.
اعتراف صريح أم واقعي؟ الجوهر في
التفاصيل
يبدو أن الاعتراف الحالي يحمل طابعا
مزدوجا:
من الناحية الرسمية والقانونية: هو
اعتراف "صريح وكامل" بدولة فلسطين على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس
الشرقية. إنه تأكيد على الحق الفلسطيني غير القابل للتصرف في إقامة الدولة.
من ناحية الواقع العملي والتطبيق: هو
اعتراف "واقعي ومحدود"، لأنه يعترف بحق موجود دون أن يكون لهذا الكيان
كل مقومات الدولة الفعلية. إنه اعتراف "بحق الوجود" أكثر منه
"اعترافا بكيان قائم بذاته" بالمعنى الكلاسيكي.
الخلاصة: الاعتراف كأداة ضغط سياسية
في المحصلة، يمثل الاعتراف الغربي بدولة
فلسطين خطوة دبلوماسية وسياسية بالغة الأهمية، تهدف إلى:
* زيادة العزلة الدولية لإسرائيل.
* دفع عملية السلام المتعثرة من خلال فرض حل
الدولتين كخيار وحيد معترف به دوليا.
* منح الفلسطينيين ورقة تفاوضية أقوى في أي
مفاوضات مستقبلية.
الاعتراف هو إعلان نوايا سياسي يسبق
قيام الدولة الفعلية. إنه محاولة لخلق واقع دولي جديد يضغط لتحقيق واقع على الأرض.
القادم سيكشف إن كان هذا الاعتراف مجرد بُعدٍ دبلوماسي، أم أنه سيكون الشرارة التي
تعيد إحياء مشروع الدولة الفلسطينية بسيادة كاملة، وهو التحدي الأكبر الذي يواجهه
هذا الاعتراف والضمير العالمي معا.


تعليقات