فرنسا بلا حكومة: أزمة ثقة أم بداية تحوّل سياسي؟


 

   حسن اليوسفي المغاري

---------------------

لماذا سقطت الحكومة الفرنسية وما الذي ينتظر فرنسا بعد ذلك؟

لم يكن سقوط الحكومة الفرنسية سوى تتويج لمسار طويل من الأزمات التي أضعفتها، سواء عبر الشارع الغاضب أو المعارضة المتربصة. لكن الأهم اليوم ليس فقط تفسير أسباب السقوط، بل أيضا استشراف ما سيترتب عنه على مستقبل الحياة السياسية في فرنسا.

من الواضح أن الحكومة لم تصمد أمام ثلاث ملفات كبرى: إصلاح نظام التقاعد الذي فجّر موجة احتجاجات غير مسبوقة، أزمة القدرة الشرائية التي عمّقت الغضب الشعبي، وملف الهجرة الذي قسّم الساحة السياسية وأظهر عجز السلطة التنفيذية عن جمع توافق وطني. ومع كل أزمة، كانت المعارضة بمختلف أطيافها – من اليسار الراديكالي إلى اليمين التقليدي والمتطرف – تستغل الفرصة لتقويض الحكومة، إلى أن سقطت تحت ضغط البرلمان والشارع معا.

لكن السؤال الأكبر الآن: إلى أين تتجه فرنسا بعد هذا السقوط؟

أول السيناريوهات المطروحة هو الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة. هذا الخيار قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر كبيرة، أبرزها صعود التيارات المتطرفة. فحزب "التجمع الوطني"؛ يملك اليوم فرصة تاريخية لتعزيز موقعه، مستفيدا من الاستياء الشعبي من الحكومة السابقة، ومن قدرته على توظيف قضايا الهجرة والأمن والقدرة الشرائية.

في المقابل، يحاول اليسار عبر تحالفه أن يفرض نفسه كبديل تقدمي، مُركّزا على قضايا العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية. لكن الانقسامات داخل صفوفه - على ما يبدو - قد تحد من قدرته على الوصول إلى السلطة.

أما اليمين التقليدي، فيسعى للعودة إلى الساحة عبر خطاب متوازن، لكنه يواجه خطر الذوبان بين حكومة ضعيفة من جهة وصعود اليمين المتطرف من جهة أخرى.

السيناريو الثاني هو تشكيل حكومة انتقالية أو توافقية لتسيير المرحلة، لكن هذا الخيار يبدو هشّا، إذ يعيد إنتاج نفس معضلة غياب الأغلبية البرلمانية.

وهكذا، فإن سقوط الحكومة لا يمثل نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة من عدم اليقين. فرنسا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تعيد الثقة لمؤسساتها عبر انتخابات قادرة على إفراز أغلبية مستقرة، وإما أن تنزلق أكثر في دوامة الانقسام السياسي والاجتماعي، بما يفتح الباب أمام صعود غير مسبوق لليمين المتطرف.

الحكومة إذن لم تسقط فقط بسبب قوانين فاشلة أو سياسات غير مقنعة، بل لأنها عجزت عن أن تكون الجسر بين الدولة والمجتمع. والتحدي الحقيقي اليوم ليس في معرفة من سيحكم، بل في تحديد كيف يمكن إعادة بناء علاقة ثقة بين الفرنسيين ومؤسساتهم.


تعليقات