إسقاط الفساد.. لا يتحقق إلا بسن قوانين ربط المسؤولية بالمحاسبة وتجريم الثراء غير المشروع وتضارب المصالح
حسن اليوسفي المغاري
----------------------
محاربة الفساد ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل مسار تشريعي ومؤسساتي متكامل يجعل من الشفافية والمساءلة أساسا للحكم الرشيد.
فالدول التي واجهت الفساد بجرأة أدركت
أن الإصلاح لا يتحقق إلا إذا ارتكز على ثلاثة أعمدة صلبة:
ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجريم الثراء
غير المشروع، ومنع تضارب المصالح.
أولا: ربط المسؤولية بالمحاسبة.. من
النص إلى التطبيق
هذا المبدأ الدستوري يجب أن يشكل جوهر
دولة القانون. فكل من يتولى مسؤولية عامة يجب أن يخضع للمساءلة عن أدائه وقراراته
وأثرها المالي والإداري.
لكن في الواقع، يبقى هذا المبدأ منقوص
التطبيق لأن أدوات المحاسبة غائبة.
في المقابل، نجد أن دُوَلا مثل كوريا
الجنوبية وسنغافورة جعلت من هذا المبدأ قاعدة يومية في الممارسة السياسية
والإدارية، حيث تمت محاسبة رؤساء حكومات ووزراء على مخالفات مالية أو تجاوزات في
التسيير، دون أن يُعتبر ذلك مساسا بهيبة الدولة، بل تعبيرا عن نضجها الديمقراطي.
ثانيا: تجريم الثراء غير المشروع..
تحصين المال العام
قانون تجريم الثراء غير المشروع ليس
تَرفا تشريعيا، بل ضرورة لضمان نزاهة الحياة العامة.
فحين تتضخم ثروات المسؤولين دون مبرر
قانوني أو مهني، يكون القانون مطالبا بالتدخل لحماية المال العام.
تجارب مثل "هونغ كونغ" و
"شيلي" أظهرت أن تطبيق هذا النوع من القوانين أدى إلى تراجع ملحوظ في
مؤشرات الفساد، لأن المسؤول أصبح مطالبا بتبرير كل زيادة في ثروته، مما خلق ثقافة
جديدة في التسيير تقوم على النزاهة والشفافية.
في المقابل، غياب هذا القانون في بعض
الدول جعل الفساد ينتشر بهدوء في مؤسسات الدولة، مكرّسا منطق “الريع المقنّن”
والإفلات من العقاب.
ثالثًا: تضارب المصالح.. الفساد الناعم
الذي يهدد الثقة العامة
تضارب المصالح هو الوجه الخفي للفساد،
وغالبا ما يكون أكثر خطورة لأنه يُمارس في الظل وبغطاء قانوني أحيانا.
ويحدث عندما يكون للمسؤول مصلحة شخصية -
مالية أو عائلية أو تجارية - تتعارض مع مهامه العامة.
في فرنسا وكندا، يُعدّ تضارب المصالح
جريمة قائمة بذاتها، يُعاقب عليها القانون وتراقبها هيئات مستقلة.
فالقانون هناك يمنع المسؤول من الجمع
بين المنصب العام وإدارة شركات خاصة أو الاستفادة من صفقات عمومية بطريقة مباشرة
أو غير مباشرة.
أما عندنا فحدّث ولا حرج..
نحو منظومة قانونية متكاملة للنزاهة
والشفافية
إسقاط الفساد لا يتحقق بإجراء واحد، بل
بــمنظومة قانونية مترابطة تشمل:
1. تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون تمييز
أو حصانة.
2. اعتماد قانون تجريم الثراء غير المشروع يفرض
التصريح الفعلي والمفصل بالممتلكات للمعني بالأمر ولأفراد أسرته، وتتبع مصادر
دخلهم.
3. سن قانون خاص بتضارب المصالح يحدد بدقة الحالات
الممنوعة وآليات التصريح والمراقبة.
4. تمكين الهيئات الرقابية والقضائية من استقلال
فعلي وصلاحيات واسعة.
5. تفعيل دور المجتمع المدني والإعلام كشركاء
أساسيين في الرقابة وكشف الاختلالات.
خلاصة القول:
إن بناء دولة حديثة لا يتحقق بالشعارات،
بل بالقوانين التي تُفعّل العدالة وتُقوّي ثقة المواطن في مؤسساته.
فحين يُحاسب المسؤول، ويُجرّم الثراء
غير المشروع، وتُمنع حالات تضارب المصالح، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لإسقاط
الفساد.
المنصب العام يجب أن يعود إلى أصله:
خدمة للمواطن لا وسيلة للإثراء.

تعليقات