الوردة التي ذبلت..


 

      حسن اليوسفي المغاري 

--------------------- 

في مشهد سياسي رمزي بقدر ما هو دالّ، ارتقى إدريس لشكر منصة المؤتمر الوطني الثاني عشر لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليُعلن عن “تنصيبه” مجددا ككاتب أول للحزب، للمرة الرابعة على التوالي، في عمر تجاوز فيه العقد السابع. خلفه شاشة ضخمة تعكس قاعة ممتلئة، وأمامه لافتة وردية اللون كزهرة الحزب التاريخية، تتوسطها عبارة: «مغرب صاعد: اقتصاديا... اجتماعيا... مؤسساتيا».

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل الاتحاد الاشتراكي صاعد فعلا، أم أنه غارق في جمود الزعامة وتكلّس البنية التنظيمية؟

من حزب المقاومة الفكرية إلى حزب الزعامة الأبدية

كان الاتحاد الاشتراكي ذات يوم مدرسة سياسية وفكرية، ينهل منها جيل بكامله من المثقفين والفاعلين في المجتمع المدني. حزب أسّسه رجال دولة ومفكرون من طينة المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي، ليكون صوتاًد للطبقات الشعبية، ومعارضة مؤسسية مسؤولة في وجه سلطوية الدولة وهيمنة الرأسمال الريعي.

لكن ما بين الاتحاد الذي كان "ضمير الأمة"، والاتحاد الذي نراه اليوم، مسافة زمنية ومضمونية تُختزل في مشهد واحد: إدريس لشكر، الرجل الذي حوّل الحزب من فضاء للنقاش إلى مؤسسة مغلقة تدور في فلك الزعيم الأوحد.

المؤتمر الثاني عشر: شكل بلا مضمون

في الصورة التي التقطت من المؤتمر الأخير، تتجلى المفارقة الصارخة: اللون الوردي المبهج في الخلفية يُحاول التغطية على رمادية المشهد السياسي للحزب. العنوان "مغرب صاعد" يبدو شعارا إنشائيا أكثر منه برنامجا سياسيا، فيما المتحدث، لشكر، يرفع يده في خطاب متكرر منذ عقد من الزمن، دون تجديد في الخطاب أو في الآليات.

لقد تحوّل المؤتمر، بدل أن يكون محطة تقييم ومحاسبة وتجديد، إلى مناسبة لتكريس الزعامة وتجديد الولاء. فالتنافس الداخلي غاب، والنقاش الفكري انطفأ، والاختلاف أصبح يُدار في الكواليس أو يُقصى من المنابر.

ما بعد اليوسفي: الانهيار البطيء

منذ رحيل عبد الرحمن اليوسفي، دخل الحزب مرحلة من الانغلاق والابتعاد عن جذوره النضالية. "مخزنة" الحزب، أي تحوّله إلى أداة للتوازن داخل النظام السياسي بدل أن يكون قوة اقتراحية مستقلة، عمّقت الفجوة بين القيادة والقاعدة.

فبعد أن كان الاتحاد قوة انتخابية مؤثرة، تراجعت تمثيليته بشكل ملحوظ في الانتخابات الأخيرة، وفقد رموزه التاريخيين الذين انسحبوا بصمت أو انتقلوا إلى فضاءات مدنية وأخرى مؤسساتية وأخرى دستورية.

أما لشكر، فقد أحكم قبضته التنظيمية عبر تعديل القوانين الداخلية وتوسيع صلاحياته، حتى أصبحت "الولاية الرابعة” نتيجة طبيعية لمسار طويل من شخصنة القرار الحزبي.

بين الرمزية والانتحار السياسي

رمزية الصورة التي ظهر فيها لشكر لا يمكن إغفالها. فالرجل يقف وحيدا أمام جمهور يصفق، في مشهد يوحي أكثر بزعامة فردية منه بعمل جماعي حزبي. اللون الوردي الذي كان رمز الأمل والتجديد في زمن مضى، تحوّل اليوم إلى لون باهت يغطي فراغا سياسياًد كبيرا.

لقد فقد الحزب توازنه الإيديولوجي، وتبددت هويته الاشتراكية الديمقراطية في بحر من البراغماتية السياسية والتموقع الانتخابي. حتى القضايا الاجتماعية التي كانت جوهر خطابه، لم تعد حاضرة إلا كشعارات موسمية.

النهاية المفتوحة لحزب تاريخي

إعادة تنصيب إدريس لشكر للمرة الرابعة ليست مجرد حدث تنظيمي داخلي، بل هي محطة تُعلن رسميا عن نهاية مرحلة في تاريخ الحزب، وربما بداية نهايته الفعلية كفاعل سياسي مؤثر.

إن الاتحاد الاشتراكي، الذي خرج من رحم الحركة الوطنية، يعيش اليوم أزمة هوية وقيادة ومصداقية.

وفي ظل غياب النقد الذاتي والمحاسبة الداخلية، يبدو أن الحزب اختار أن يعيش في ظل الزعيم بدلا من أن يعود إلى جذوره بين الجماهير.

خلاصة القول:

الصورة التي أرادها الحزب احتفالا بالاستمرارية، تحوّلت إلى رمز لجمود سياسي مزمن. إدريس لشكر، بعودته لولاية رابعة، لم يبعث الحياة في الحزب، بل ثبّت واقع موته البطيء.

فالاتحاد الاشتراكي، الذي كان يوما حزب الوطن والمستقبل، أصبح اليوم حزب الذكرى والماضي، سياسيا، حزبيا وإعلاميا.

رحم الله جريدة الاتحاد التي كانت تهز أركان الدولة بمقالاتها.


تعليقات