حسن اليوسفي المغاري
---------------------
كم يحُزّ في النفس أن ننظر إلى المشهد الإعلامي المغربي اليوم، فنرى إلى أي حدّ تراجع ميزان الكلمة والموقف، وكيف انحسر صوت القلم الحُرّ أمام ضجيج الرداءة.
تعود بي الذاكرة إلى بداية تسعينيات
القرن الماضي، حين قضيت ثلاثة أشهر تدريبًا بجريدة الاتحاد الاشتراكي، في زمنٍ كان
فيه المرحوم محمد بوهلال رئيسًا للتحرير، وعبد الرحمن اليوسفي كاتبا أول للحزب
ومديرا للجريدة التي كانت آنذاك مدرسة حقيقية في الصحافة المسؤولة، تُزاوج بين
المهنية والالتزام، وتُعبّر بلغةٍ راقية عن نبض المجتمع لا عن نزوات السياسة.
من يطالع عدد الجريدة المرفق في الصورة،
الصادر سنة 1983، يدرك أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن مجرد منبر حزبي، بل كان وثيقة
تاريخية تُسجّل مراحل النضال الديمقراطي في المغرب، بصوت عبد الرحيم بوعبيد
ورفاقه. صفحاتها كانت تُكتب بالحبر وبالجرأة، تنقل الموقف وتفضح التواطؤ، وتفتح
أعين المغاربة على معنى الحرية الحقيقية، لا الحرية الممنوحة.
أما اليوم، في زمنٍ أضحى فيه الإعلام
ورقة بيد السلطة والمعلنين والولاءات وبعض الكراكيز وبَهلوانات الصحافة، نفتقد ذلك
النفس التحريري الجاد، وتلك المدرسة التي أنجبت أسماء صحافية كبيرة كانت تعتبر أن
الصحافة شرف ورسالة قبل أن تكون مهنة.
لقد كان "الاتحاد الاشتراكي"
يومها صوت المعارضة الوطنية، واليوم لم تعد لدينا معارضة حقيقية، ولا صحافة ورقية
حزبية تمتلك شجاعة الموقف كما عهِدناها من قبل.
بين الأمس واليوم، تغيّر كل شيء: اللغة،
والجرأة، وحتى الإيمان بأن الجريدة يمكن أن تغيّر الواقع.
لقد أصبحنا نعيش زمن العناوين السطحية
و"الترند" الفارغ على إيقاع الولاية الرابعة وكرسي الخُلود.

تعليقات