حسن اليوسفي المغاري
-----------------------
قراءة تحليلية في موقف الدائرة السياسية
لجماعة العدل والإحسان من قرار مجلس الأمن حول الصحراء
الحكم الذاتي لا يكتمل دون مشروع
ديمقراطي شامل.
أولًا: الموقف في سياقه العام
جاء بيان الدائرة السياسية لجماعة العدل
والإحسان، الصادر بتاريخ الأحد 02 نونبر 2025، عقب صدور قرار مجلس الأمن الدولي
رقم 2797 (2025)، الذي جدد ولاية بعثة المينورسو وأعاد التأكيد على مقترح الحكم
الذاتي كخيار واقعي لتسوية نزاع الصحراء. غير أن البيان لم يتعامل مع القرار من
زاوية دبلوماسية ضيقة، بل جعله مدخلا لإعادة طرح سؤال الشرعية السياسية الداخلية
في تدبير الملفات الوطنية الكبرى.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الموقف الأخير
للجماعة إلا في سياق رؤيتها العامة التي تعتبر أن أزمة الصحراء ليست فقط نزاعا
إقليميا، بل أيضا انعكاسا لاختلالات سياسية داخلية تتعلق بطبيعة الحكم، وغياب
التمثيلية الديمقراطية، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
ثانيًا: موقف متوازن بين الوطنية
والإصلاح السياسي
البيان عبّر بوضوح عن دعم مقترح الحكم
الذاتي، واصفا القرار الأممي بأنه "خطوة مهمة نحو حل معقول لهذه
القضية"، وهو توصيف لافت في خطاب الجماعة التي اعتادت التحفظ في تناول
الملفات ذات الحساسية الوطنية بتفصيل أكثر. لكن هذا الدعم ليس مطلقا؛ إذ ربطته الدائرة
السياسية بــ "مشروع ديمقراطي شامل يضمن الحرية والمشاركة السياسية الحقيقية
لجميع المغاربة".
بهذه الصياغة، تضع الجماعة شرطا سياسيا
جوهريا: أن الحل الواقعي لا يكون مستداما إلا إذا استند إلى شرعية داخلية قائمة
على المشاركة الشعبية.
إنه نوع من "التحول البراغماتي
المنضبط"، حيث تسعى الجماعة إلى تأكيد وطنيتها دون التخلي عن خطابها الإصلاحي
الجذري.
ثالثًا: رفض المقاربة الانفرادية
انتقدت الدائرة السياسية ما سمّته
"المقاربة الانفرادية" في تدبير ملف الصحراء، معتبرة أن هذا النهج
"يختزل القضايا الوطنية في قرارات فوقية معزولة عن إرادة الشعب". وهنا
تكمن النقطة المركزية في التحليل السياسي:
الجماعة لا تعارض الموقف الرسمي من حيث
الجوهر، لكنها تعارض طريقة صناعة القرار السياسي في المغرب، أي غياب التشاور،
وانحصار القرار في دوائر ضيقة. ومن منظور علم السياسة، يمكن اعتبار هذا الموقف
استمرارا لخط الجماعة الذي يرى أن أزمة النظام المغربي ليست في المخرجات
(القرارات)، بل في مدخلات الشرعية (آليات اتخاذ القرار). فحتى عندما تتفق مع
الهدف، تظل تختلف في الوسيلة.
رابعا: رفض المقايضة السياسية بالتطبيع
من بين أهم النقاط التي ميزت البيان هو
موقفه من الربط بين قضية الصحراء والتطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث ورد فيه صراحة
بـأن المقايضة بين الموقف من الوحدة الترابية والتطبيع مع الكيان الصهيوني ابتزاز
سياسي مرفوض، لأنها تفرغ الموقف الوطني من مضمونه وتضعف الجبهة الداخلية.
هذا الموقف يجسد ثابتا أيديولوجيا في
فكر الجماعة، إذ تعتبر فلسطين جزءا من عقيدتها السياسية، وترى في التطبيع انحرافا
أخلاقيا واستراتيجيا.
وفي الوقت نفسه، تُظهر وعيا وطنيا حين
تربط هذا الرفض بضرورة صيانة الجبهة الداخلية، في إشارة إلى أن القوة الوطنية لا
تأتي من الصفقات الخارجية، بل من وحدة الداخل.
خامسا: الواقعية السياسية للجماعة
البيان يعكس رأيا لافتا في خطاب الجماعة
من "المعارضة الرمزية" إلى "المعارضة العقلانية". فهو لا يرفض
القرار الأممي ولا يهاجم المؤسسات، بل يقدم قراءة نقدية بناءة تنطلق من مبدأ
المشاركة الوطنية لا الانعزال عنها.
هذا الرأي يدل على أن الجماعة تسعى إلى
تأكيد تموضعها السياسي كفاعل وطني ناضج، قادر على المزاوجة بين الشرعية الدعوية
والمشروعية السياسية.
وبالمنظور الأكاديمي، يمكن القول إن
الدائرة السياسية تحاول بناء رأسمال وطني رمزي يجعلها طرفا في النقاش العمومي حول
القضايا السيادية، دون أن تنخرط في المنظومة الرسمية. أي أنها تبني لنفسها موقع
"الفاعل المشارك من خارج النظام".
سادسا: في السياق الإقليمي والدبلوماسي
تزامن البيان مع سياق دولي وإقليمي يعزز
الطرح المغربي للحكم الذاتي، بدعم واضح من واشنطن ومدريد وبرلين. لكن الجماعة،
ضمنيا، لا ترى هذا الاعتراف كافيا، إذ تعتبر أن الدبلوماسية الفعالة تبدأ من
الشرعية الداخلية لا الخارجية، وأن "قوة الموقف المغربي تتغذى من ديمقراطيته
لا من تحالفاته".
هذا المنظور يعكس فهما عميقا للعلاقة
بين الداخل والخارج في بناء الدولة الحديثة، لأن المشروعية لا تُستورد من الخارج،
بل تُبنى داخليا على أساس العدالة والتمثيلية والمحاسبة.
سابعا: الخلاصة - نحو مقاربة وطنية
جامعة -
يمكن القول إن موقف العدل والإحسان من
قضية الصحراء في ضوء القرار الأممي يمثل نموذجا لـــ"الواقعية النقدية"
في السياسة المغربية.
فهو لا يذوب في الخطاب الرسمي ولا يصطدم
به، بل يقدّم رؤية ثالثة تجعل من الديمقراطية شرطا للوحدة الوطنية، والوحدة
الوطنية قاعدة للديمقراطية.
بهذا المعنى، فإن الجماعة ترسخ موقعها
كصوت معارض وطني مسؤول، يزاوج بين الدفاع عن السيادة الترابية الجغرافية، والتمسك
بـالسيادة الشعبية، وتطرح بذلك معادلة سياسية متوازنة قلّما نجدها في الخطاب
الحزبي المغربي المعاصر.

تعليقات