حسن اليوسفي المغاري
----------------------
غاب سيون أسيدون اليوم، لكن الحضور الذي تركه لا يمكن لغياب أن يمحوه.
اليوم فقد المغرب، وفقدت الحركة
الحقوقية، وفقدت فلسطين صديقا نادرا، خبرته ساحات النضال، وعرفته شخصيا من خلال
تواجده الدائم في الصف الأمامي لكل التظاهرات الداعمة لفلسطين، سواء بالرباط أو
الدار البيضاء، لم يتردد يوما في أن يقف حيث ينبغي الوقوف، ولو كان الثمن العزلة
أو التضييق أو الاستهداف.
وُلد سيون أسيدون في حضن عائلة يهودية
مغربية وطنيّة الجذور، وعبر مسار حياته الطويل لم يتردد في إعلان انتمائه الأول:
الإنسان.
مناضل يساري، مثقف عضوي، لا يجامل سلطة
ولا يخشى لوما، ظلّ صوتا صافيا في زمن اختلطت فيه المواقع وتداخلت الشعارات.
لم يؤمن سيون أسيدون بفلسطين كقضية
سياسية فقط، بل كقضية ضمير.
كان يرى في الاحتلال الإسرائيلي جريمة
مستمرة، وفي الشعب الفلسطيني حقّا لا يسقط بالتقادم.
لذلك حمل قضيته في الشارع، والجامعة،
والندوات، والأسواق، وحتى البيوت.
أطلق حملات المقاطعة، صاح في وجوه
المبرّرات، فضح خطاب التطبيع، وقف ثابتا أمام موجات التجريف والدعاية والاستلاب.
كان يمكن له، لو أراد، أن يختار طريقا
سهلا:
مكانة اجتماعية، علاقات مريحة، حياة
هادئة…
لكنه اختار الموقف، لأنه كان يؤمن أن
الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يدافع عنه.
وفي سنواته الأخيرة، كان صوته صارخا ضد
انحراف البوصلة، ضد تجميل الجريمة، ضد تحويل الاحتلال إلى "تعايش" مزعوم.
لم يكن يخشى أن يكون الأقل وسط الجموع،
لأنه كان يعرف أنه على حق.
اليوم، حين يرقد الجسد في صمت أبدي،
يبقى أثره حيّا:
في النداءات التي صدح بها
في القلوب التي ألهمها
وفي العيون التي ستواصل النظر نحو القدس
دون أن تُطرف.
سيون أسيدون لم يكن “يهوديّا يدافع عن
فلسطين”.
كان إنسانا يدافع عن الإنسان.
وكان مغربيا وفلسطينيا حتى النخاع..
رحم الله الرجل النبيل.

تعليقات