حسن اليوسفي المغاري
------------------------
المشهد الأول: تنظيم على طريقة “الوصاية الذاتية”
”تنظيم ذاتي” قالوا؟ يا لسخرية القدر! مصطلح براق يُخفي وراءه أزيز “ريموت كنترول” خفي، يُحرك أصابع المهنة من بعيد. وكأن الذات هنا ليست سوى دمية في مسرح العرائس، تُصفق لنفسها بأمر المخرج. القانون، يا سادة، لا يُطبخ في “مطبخ المهنيين”، بل في “غرف صناعة القرار الدافئة”، تلك التي لا تطالها رائحة الحبر والورق، ولا صراخ الواقع.
المشهد الثاني: غرفة الإنعاش والوزير الجرّاح..
الصحافة في غرفة الإنعاش، النبض ضعيف، والمشهد مهيب. فجأة، يظهر الوزير، لا حاملا مشرط الجرّاح لإنقاذ المريض، بل يبدو وكأنه يبحث عن “زرّ الإيقاف” ( ) على لوحة التحكم! إنه مشروع قانون.. نعم، “صناعة دقيقة”، أتقنها الخياطون السياسيون ليناسب “مقاس جهات دقيقة” بعينها. قصة لم تُكتب فصولها على طاولة النقاش، بل على ورقة طلبية مفصلة.
المشهد الثالث: محكمة.. نقاش بلا نقّاد!
تلك الأمسية! كانت أشبه بمسرحية عبثية بعنوان “نقاش حول الجدل الذي خلّفه مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة”. وجدنا أنفسنا فعلا أمام سؤال “جدل مجلس الصحافة: تنظيم أم مصالح؟
• محكمة بلا قاض: الكل يطرح أسئلة واستفهامات، ولا أحد يجرؤ على إصدار الحُكم، لأن الحُكم صادر من غرف مظلمة…
• مناظرة بين متناظرين أصواتهم مسموعة، لكنها تردد صدى صوت واحد فقط.
• وزير في الضباب يظهر كضيف ثقيل حضر لحفل كي يزفّ للحضور أن الزواج باركه النواب وسيباركه المستشارين.. حضر يتحدث عن “الثقافة المهنية” كأنها ضريبة ثقيلة عليه لا واجب.
كان “التنظيم الذاتي” مجرد لافتة كرتونية، جسد بلا أطراف، يفضح هشاشة العمارة بأكملها. المشروع لم يُخلق لحماية المهنة، بل لتقديم “ترضية مُتقنة الصنع” لمن يجيدون فن صياغة القوانين على مقاس جيوبهم وأهدافهم.
المشهد الرابع: النهاية المعلومة والتصفيق المطلوب..
لا تنتظروا تصويت “الغرفة الثانية”، فالسيناريو جاهز، والإخراج مُتقن، والبرلمان ليس سوى “قاعة عرض فاخرة”.
أما نحن، قبيلة الصحافيين المهنيين والشرفيين ذوي المروءة والكرامة، فعلينا ألف سلام، وربما ألف فاتحة أيضا، لأننا لم نعد نتحدث عن إخفاق، بل عن انفصال تاريخي بين سلطة تتعامل مع الصحافة كـ”إزعاج” يجب ضبطه، ومهنة فقدت القدرة على الدفاع عن “ذاتها” قبل المجتمع.
السؤال الأكبر، والساخر بلا حدود:
أي تنظيم ذاتي هذا الذي لا يستطيع حماية استقلالية الحد الأدنى لذات المهنة؟
إنه زمن المفارقات! تُكتب فيه قوانين الإعلام بلا إعلام، ويُصاغ فيه مستقبلنا بأيدي من يريدون ضبط الإيقاع على المزاج الشخصي للسلطة.
ومع كل هذا.. يطلبون منا أن نُصفّق!
لا نريد التصفيق أيها السادة. نريد أن نفهم: هل انتهى الأمر، وأصبحنا مجرد “متفرجين مُطبّلين، مُزمّرين، داعمين للتفاهة والفساد”؟ أم أننا ما زلنا نملك الحق في أن نكون قُبّحا على الأقل، بدل أن نكون عبيدا مهذبين؟؟؟

تعليقات