حسن اليوسفي المغاري
-------------
نُشر على صفحات يومية “بيان اليوم” بتاريخ 06 يناير 2026
_ نموذج تنموي يعيد طرح سؤال العقد الاجتماعي_
ليست هذه الحصيلة وليدة ظرف عابر، بل نتاج مسار تراكمي جعل من التناقضات البنيوية في النموذج التنموي والسياسي معطى ثابتا، لا استثناء مرحليا.
تُظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن نهاية 2025 كانت قاسية اجتماعيا على فئات واسعة من المغاربة. فحسب البحث الظرفي حول وضعية الأسر، صرّحت أكثر من 80% من الأسر المغربية بتدهور مستوى معيشتها خلال السنة، مقابل نسبة هامشية فقط رأت تحسنا في أوضاعها. هذه النسبة المرتفعة، الصادرة عن مؤسسة رسمية، لا يمكن اختزالها في شعور عابر، بل تعكس تحول الغلاء وتآكل القدرة الشرائية إلى واقع بنيوي.
هذه الأخيرة أنهت 2025 في وضع هش غير مسبوق. فبين ضغط ضريبي متزايد، وارتفاع تكاليف التعليم والصحة والسكن، وجمود الأجور، تآكلت قدرتها على لعب دور «العازل الاجتماعي» بين الفقر والاحتقان. أما الفئات الهشة، فرغم تسجيل تراجع في الفقر متعدد الأبعاد إلى حدود 6.8% وفق آخر معطيات رسمية، فإن هذا التقدم العددي يخفي واقعًا آخر: استمرار الفوارق المجالية، وتمركز الفقر والهشاشة في العالم القروي والمناطق المهمشة، وضعف أثر البرامج الاجتماعية على تحسين شروط العيش الفعلية.
على مستوى التشغيل، خرج المغرب من 2025 بأرقام مقلقة. فمعدل البطالة الوطني بلغ حوالي 13.1%، لكنه يرتفع بشكل حاد في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، متجاوزا 38% في بعض الفئات. هذه الأرقام تكشف محدودية قدرة النمو الاقتصادي والمشاريع الكبرى على خلق فرص شغل كافية ولائقة.
في هذا السياق، تعود الهجرة غير النظامية لتفرض نفسها كخيار يائس لدى فئات من الشباب، ليس فقط في المناطق الهامشية، بل حتى في المدن الكبرى. إنها رسالة اجتماعية صامتة مفادها أن الاندماج الاقتصادي لم يعد مضمونا داخل الوطن، وأن العقد الضمني بين التعليم والشغل قد انهار.
لا يمكن فصل الإحساس العام بالضغط عن وضعية الخدمات العمومية. فالتعليم العمومي أنهى 2025 وهو في وضعية إنهاك مزمنة: اكتظاظ، خصاص في الموارد، وتراجع في الجودة، ما عمّق الفوارق بين من يستطيع ولوج التعليم الخاص ومن لا يملك سوى مدرسة عمومية ضعيفة الإمكانات. وهكذا، يتحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة.
الأمر ذاته ينسحب على قطاع الصحة. فالنقص في الموارد البشرية والتجهيزات، وطول آجال الانتظار، يدفعان المواطنين، قسرا، نحو القطاع الخاص، حيث الأسعار المرتفعة تجعل العلاج امتيازا طبقيا. هذا الواقع يضرب في العمق مبدأ الحق في الصحة، ويقوّض أحد أعمدة العقد الاجتماعي الحديث.
حقوقيا، يدخل المغرب 2026 في مناخ يتسم بالحساسية. فحرية التعبير ظلت خلال 2025 مجالا للتجاذب، في ظل استمرار متابعات مرتبطة بالرأي والنشر، سواء في الصحافة أو الفضاء الرقمي. كما واجهت بعض الحركات الاحتجاجية ذات الطابع الاجتماعي تضييقا أمنيا وإداريا، رغم مشروعية مطالبها.
في قلب هذا السياق الحقوقي، برز مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في نهاية 2025. فقد اعتبره جزء واسع من الجسم الصحفي والحقوقي تراجعا عن فلسفة التنظيم الذاتي التي أُقرت سابقا، لصالح مقاربة تميل إلى الضبط الإداري وإعادة تشكيل الحقل الصحفي من خارج إرادة المهنيين.
سياسيا، أنهى المغرب 2025 بمشهد يتسم بالجمود. الأحزاب السياسية تعاني من أزمة مصداقية وتأطير، والبرلمان يبدو، في نظر فئات واسعة من المواطنين، بعيدا عن انشغالاتهم اليومية. النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية والحقوقية ظل محدودا، فيما استمر العزوف السياسي كعنوان صامت لانعدام الثقة في جدوى المشاركة.
هذا الواقع يعمّق أزمة الوساطة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الاحتقان الاجتماعي بلا قنوات تعبير سياسية فعالة، ما يرفع كلفة أي توتر محتمل في المستقبل.
في هذا السياق، تكتسي ملاحظات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أهمية خاصة. فالمجلس شدد، في تقاريره وتوصياته، على ضرورة تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وإشراك المجتمع المدني والفاعلين في بلورة السياسات العمومية.
مع نهاية سنة 2025 وبداية سنة جديدة، يتضح أن سؤال العقد الاجتماعي لم يعد مفهوما نظريا مؤجلا، بل أضحى اختبارا عمليا يوميا يواجهه المغرب في تماسكه الاجتماعي، وشرعية مؤسساته، وثقة مواطنيه في الدولة. فالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية المتراكمة تكشف أن العقد غير المعلن الذي حكم العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال العقود الأخيرة بات متآكلا: الدولة تعد بالنمو والاستقرار، والمواطن يقبل بالتضحيات في مقابل تحسين شروط العيش والكرامة والعدالة. غير أن هذه المعادلة لم تعد تشتغل بالوتيرة نفسها ولا بالنتائج نفسها.
من هنا، فإن لحظة 2026 ليست لحظة تسيير اعتيادي أو تمديد للسياسات نفسها، بل لحظة مراجعة شجاعة. مراجعة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية كمدخل للاستقرار، وللحقوق والحريات كشرط للثقة، وللمشاركة السياسية كآلية لتجديد الشرعية. دون ذلك، سيظل العقد الاجتماعي في وضعية اختبار دائم، تتسع فيها المسافة بين ما يُقال رسميا وما يُعاش فعليا، وهو وضع لا يمكن لأي مجتمع أن يستدام طويلا دون كلفة سياسية واجتماعية مضاعفة.


تعليقات