فيضانات القصر الكبير: هل نحن أمام تنفيس تقني أم إنذار لانفجار منظومة؟

 



حسن اليوسفي المغاري

 -------------


تشهد مدينة القصر الكبير منذ أيام وضعا مقلقا، بعد أن فاضت مياه وادي لوكوس وأغمرت أحياء وحقولا واسعة، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالا بالغ الحساسية:

هل ما يحدث نتيجة “تنفيس تقني” عادي لسد وادي المخازن، أم أننا أمام لحظة حرجة تقترب من حدود الخطر البنيوي؟

سدّ ممتلئ فوق طاقته

حين تبلغ حقينة سد وادي المخازن حوالي 140% من سعته العادية، فذلك يعني – تقنيا حسب الخبراء – أن السد لم يعد يحتفظ فقط بالمياه المخصصة للتخزين، بل دخل منطقة التخزين الفيضي (flood storage)، وهي المنطقة المصممة لاستيعاب الصدمات المائية الكبرى في الحالات القصوى.

في هذه المرحلة، لا يعود خيار التفريغ ترفا إداريا، بل ضرورة هندسية لتجنب سيناريوهات كارثية.

غير أن السؤال الحقيقي ليس:

لماذا تم التنفيس؟

بل:

لماذا وصلنا أصلا إلى هذه المرحلة؟

منسوب قياسي وأمطار غير مسبوقة

تعرّض حوض لوكوس خلال الأسابيع الماضية إلى موجات مطرية استثنائية، دفعت الواردات المائية إلى مستويات قياسية، جعلت السد يستقبل في ساعات ما يعادل ما كان يستقبله في أسابيع كاملة في سنوات عادية.

ومع امتلاء الحقينة، بدأت السلطات في فتح بوابات التفريغ، لتجنب تجاوز منسوب الأمان.

لكن هذه العملية، رغم كونها تقنية، تتحول على مستوى الميدان إلى فيضانات اجتماعية واقتصادية، لأن المياه المفرغة لا تختفي في الفراغ، بل تتجه مباشرة إلى مجرى وادي لوكوس، الذي يخترق القصر الكبير.

التنفيس لا يغرق المدن.. التخطيط هو الذي يفعل

من الخطير تبسيط الصورة واتهام السد أو عملية التفريغ.

المشكلة أعمق، وتكمن في أن:

- مجرى وادي لوكوس داخل المدينة لم يُؤهَّل هيدروليكيا لاستقبال تصريفات كبيرة.

- عشرات الأحياء والمزارع أُقيمت في مناطق فيضية طبيعية.

- لا توجد أحزمة حماية أو قنوات تحويل قادرة على امتصاص موجات التنفيس.

بعبارة أوضح:

السدّ يقوم بوظيفته، لكن المدينة بُنيت في المكان الخطأ، وبالمنطق الخطأ.

هل هناك خطر انفجار؟

تقنيا، لا تشير عملية التنفيس إلى وجود خطر وشيك لانهيار السد، بل إن:التنفيس يتم تحديدا لتفادي بلوغ ضغط مائي قد يهدد البنية.لكن الخطورة الحقيقية ليست في جسم السد، بل في المنظومة الترابية والمجالية المحيطة به.

الفيضان الذي نراه اليوم هو فيضان سياسات التعمير، لا فيضان المطر فقط.

القصر الكبير يدفع ثمن سنوات من العبث بالمجال

ما يجري هو نتيجة تراكم:

- غياب خرائط المخاطر.

- تساهل في رخص البناء.

- تدمير مناطق الامتصاص الطبيعية.

- وعدم ربط التخطيط الحضري بالمعطى الهيدرولوجي.

في النهاية، حين يُفتح سد وادي المخازن، لا يختبر فقط قوة بنيته، بل يفضح هشاشة ما بُني تحته.

الخلاصة

السلطات لا تُفرغ السد خوفا من انفجاره،

بل لأن السد امتلأ كما يجب..

بينما المدينة امتلأت كما لا يجب.

وما لم يُعاد التفكير جذريا في علاقة القصر الكبير بوادي لوكوس، فإن كل موسم مطري قادم، مثل الذي نعيشه هذه السنة، سيحمل نفس السؤال المرعب:

هل هذا فيضان أم إنذار آخر؟

تعليقات