حسن اليوسفي المغاري
في كل الديمقراطيات الوظيفية، لا تُدار القضايا السيادية خلف ستار الصمت، ولا يُترك الإعلام الوطني يتسوّل المعلومة من صحافة أجنبية.
لكن في المغرب، في واحد من أعقد ملفات
السيادة – ملف الصحراء – يحدث العكس تماماً.
نحن أمام مشهد عبثي:
اجتماع في مدريد، داخل سفارة الولايات
المتحدة، بحضور أطراف نزاع إقليمي – الجزائر، البوليساريو، موريتانيا – حيث يُناقش
مشروع الحكم الذاتي المغربي…
بينما الصحافة المغربية لا تملك ولا
سطراً رسمياً واحداً يشرح ما الذي قُدّم باسمها، وما الذي نوقش باسم سيادتها.
لا بل أكثر من ذلك:
كل ما نعرفه عن “مشروع الحكم الذاتي”
الذي تقول الدولة إنه أساس الحل، نعرفه من وكالات أجنبية، أو تسريبات غير مؤكدة،
أو تحليلات مراكز أبحاث في واشنطن ومدريد.
أما نحن، داخل البلد الذي يفترض أنه
صاحب المشروع، فنشتغل في عتمة كاملة.. ملف من أربعين صفحة لا نعرف عنه ولو كلمة!
هنا لا نتحدث عن خطأ تواصلي، بل عن اختلال
سياسي عميق.
عندما تُختطف المعلومة، يُختطف النقاش
الوطني
الحق في الحصول على المعلومة ليس ترفا
قانونيا، إنه شرط من شروط السيادة الحديثة.. لأن
الدولة التي تفاوض باسم شعبها، دون أن تشرح له ماذا تفاوض عليه، تتحول من دولة
تمثيل إلى دولة وصاية.
كيف يمكن لصحافة مسؤولة أن: تحلل؟ تناقش؟ تنتقد أو تدعم؟ تحشد الرأي العام؟
… وهي لا تملك وثيقة واحدة، ولا بلاغا واحدا، ولا
تصريحا واحدا عمّا يُعرض باسمها في غرف مغلقة؟
نحن أمام احتكار فِعلي للمعلومة
السيادية داخل دوائر ضيقة، بينما يُترك الإعلام – والرأي العام – في موقع
المتفرج المتأخر، يطارد شذرات الخبر من صحافة أجنبية لا تشتغل أصلا وفق أولويات
المغرب.
من يخدم هذا الصمت؟.. هذا الصمت لا يحمي الموقف المغربي، بل يضعفه.
فأي مشروع سياسي، مهما كان قويا
دبلوماسيا، يحتاج إلى شرعية داخلية إعلامية.. يحتاج
إلى نقاش، إلى تفسير، إلى تعبئة، إلى إجماع نسبي.
لكن، حين تغيب المعلومة: تنتشر الإشاعة، تزدهر
الروايات المعادية، يُترك المجال مفتوحا لتأويلات واشنطن ومدريد والجزائر أكثر مما
يُترك للمغاربة.. وهكذا، يصبح المغرب حاضرا في القاعة وغائبا في الفضاء العمومي.
الصحافي المهني ليس خطرا على الدولة
يبدو أن هناك عقلا ما يزال يعتبر
الصحافة خطرا يجب تحييده في القضايا الكبرى..، وهذا
وهم.
الصحافة ليست خصما في ملفات السيادة، هي
أحد أدواتها.
البلدان التي ربحت معاركها الدبلوماسية
– من كوسوفو إلى إيرلندا الشمالية إلى تيمور الشرقية – لم تربحها في الغرف المغلقة
فقط، بل في الفضاء العمومي، عبر إعلام مطّلع، ناقد، ومعبّأ.
أما نحن، فيُطلب منا أن نكون:
- وطنيين
بلا معلومة
- مدافعين
بلا وثائق
- محللين
بلا معطيات
وهذا ليس عملا صحافيا.. هذا شكل من
أشكال الإهانة المهنية.
في الختام
ليس المطلوب كشف أسرار الدولة، بل
احترام عقول مواطنيها.. ليس المطلوب بث تفاصيل تفاوضية حساسة، بل
تقديم إطار سياسي واضح لما يُطرح باسم المغرب.
في ملف بحجم الصحراء، الصمت ليس حيادا، الصمت
فراغ.. والفراغ تملؤه روايات الآخرين.
إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لقضية وطنية، أن
يُكتب مستقبلها في الخارج، بينما يُمنع شعبها من معرفة ماذا يُقال باسمه.

تعليقات
مدافعين بلا وثائق
محللين بلا معطيات
جوهر المشكل .. 👌