محاصرة المهن المزعجة: قانون المحاماة وقانون مجلس الصحافة.. تشريع لإخضاع الكلمة والدفاع


حسن اليوسفي المغاري


هذه مفارقة تستحق أن تُقال بوضوح:

وزير العدل محامٍ وسيعود إلى المحاماة. لكن وهو في موقع السلطة، يدفع بقانون يضرب جوهر المهنة التي سيعود إليها، ويُواجه برفض من النقباء والهيئات المهنية.. فأي منطق هذا؟

إذا كان كل نقيب، من طنجة إلى الكويرة، يقول إن هذا المشروع يُضعف استقلال الدفاع، ويُربك العلاقة بين المحامي والقضاء، ويُفرغ المهنة من بعدها الحقوقي.. فمن يمثل الوزير؟ ومن يستمع إليه؟

المشكلة ليست تقنية، هي سياسية وأخلاقية:

إما أن الوزير يرى في المحامي "فاعل إزعاج" يجب ضبطه وتقليص هامشه، أو أن هناك من يريد تحويل مهنة الدفاع إلى مرفق إداري تابع، لا إلى سلطة موازية تحمي الحقوق والحريات.

والأخطر في هذا كله هو تضارب المصالح الصريح:

من يُشرّع اليوم ضد المحامين، سيجلس غدا بينهم، ويستفيد من نفس القواعد التي صاغها وهو في السلطة.

فهل نُشرّع بمنطق الدولة؟ أم بمنطق من يريد تحصين موقعه قبل أن يخلع بذلة الوزير ويرتدي بذلة المحامي؟

القانون الذي ترفضه المهنة بالإجماع، ليس "إصلاحا"، هو إنذار بأن هناك من لا يحتمل وجود دفاع قوي ومستقل.

ومهنة بلا استقلال هي عدالة بلا روح.

نفس المنطق اشتغل هنا فيما يتعلق بالمجلس الوطني للصحافة: من راهنوا على قانون جديد لإعادة تنظيم المجلس، لم يكونوا يبحثون عن "إصلاح" أو "حكامة"، بل عن إعادة هندسة الحقل على مقاس السلطة.

الخطاب كان ناعما: تحديث، تنظيم، تخليق، مهنية..

لكن الجوهر كان خشنا: من يُمثّل؟ من يُقصى؟ من يُسمح له بالكلام؟ ومن يُدجَّن؟

كما في المحاماة، وقع الشيء نفسه في الصحافة:

إضعاف التمثيلية المنتخبة؛ تضييق هامش الاستقلال؛

تحويل مؤسسة يُفترض أن تحمي حرية المهنة إلى جهاز ضبط إداري وسياسي

والنتيجة؟ مجلس بلا روح، وصحافة بلا حماية، ومشهد إعلامي قابل للضغط في أي لحظة.

الجامع بين الملفين ـ المحاماة والمجلس الوطني للصحافة ـ هو الخوف من المهن التي تملك كلمة مستقلة.

المحامي يزعج لأنه يدافع.

والصحافي يزعج لأنه يسأل.

والسلطة التي لا تحتمل الإزعاج،

لا تريد شركاء.. بل تريد موظفين في بدلات مهنية.

هذا ليس خلافا تقنيا حول نصوص قانونية.

هذا صراع على من يملك الحق في الكلام، وفي الاعتراض، وفي تمثيل المجتمع.

ومن يفهم هذا، يفهم لماذا يُعاد اليوم رسم حدود المهن الحرة بقوانين يقدمها أصحابها بأنها “إصلاحية”.. وفي الحقيقة، هي قوانين تخنقها أكثر مما تنظّمها.

الحمد لله الدستورية أقرّت بعدم دستورية بعض بنود مشروع قانون مجلس الصحافة، والآن الدور على المحاماة.

 

  

تعليقات