حسن اليوسفي المغاري
في نقد أشباه الأكاديميين والسياسيين
والصحافيين المتاجرين بالمذهب ثمنا للغطرسة
ثمة مشهد يتكرر في كل مرة تشن فيها حرب
على أرض مسلمة أو عربية: يخرج علينا أناس بأقلامهم وشاشاتهم ومنابرهم، لا ليبكوا
الضحايا، ولا ليسألوا عن الأطفال تحت الركام، بل ليتفننوا في تبرير الضربة، وتلميع
الغازي، وتحويل الجريمة إلى فضيلة. وحين تسألهم: لماذا؟ يجيبونك بكلمة واحدة،
يلوكونها كمن يمضغ حجة فارغة: المذهب.
هؤلاء ليسوا أكاديميين، وإن لبسوا رداء
العلم. وليسوا سياسيين، وإن جلسوا في مقاعد النفوذ، وليسوا صحافيين وإن مسكوا
القلم أم كانوا وراء الميكروفون. هم شيء آخر: أدوات بشرية لأجندات تدار من بعيد،
تجد في أحقادهم المذهبية وقودا رخيصا لحروب باهظة الثمن.
حين تضرب إيران - أيا كان الموقف من
سياساتها - فإن أول من يدفع الثمن هو المواطن العادي: المريض الذي لن يجد دواءه
حين تدمر البنية التحتية، والطالب الذي لن يجد مدرسته، والأم التي تسمع صوت
الانفجار وتجري نحو أطفالها لا تعرف هل ستجدهم أحياء.
هذه الصورة غائبة تماما من خطاب أشباه
الأكاديميين. لأن إدخالها يفسد المشهد، ويكسر الأيديولوجيا، ويجعل الإنسان يتوقف
لحظة ويسأل: هل ما نؤيده قتل للناس؟ وهو سؤال لا يريد هؤلاء أن يطرح أبدا.
لذلك، فإن الضحية حين تجرد من
إنسانيتها، تصبح مقبولة الموت في وعي من يصفق.
لكن المفارقة المحرجة التي لا يتحدث
عنها هؤلاء هي أن أكثر المستفيدين من توظيف الخطاب المذهبي ضد إيران هم واشنطن وتل
أبيب، وكلاهما لا يؤمن بالسنة ولا بالشيعة، ولا يُفرق بين مسلم ومسلم حين يضغط زر
الغارة.
فحين يردد أشباه الأكاديميين عبارات من
قبيل: 'إيران تنشر التشيع" و'الخطر الفارسي" و"المشروع
الصفوي"، فإنهم يؤدون خدمة مجانية لمن لا يعنيه المذهب أصلا، بل يعنيه النفط
والممرات والهيمنة. يقدمون له الغطاء الشعبي والديني الذي يحتاجه لتمرير حرب لم
يجرؤ أن يقول عنها إنها حرب للسيطرة لا حرب للحرية.
وهنا يكمن الانتحار الفكري بعينه: أن
تستعير لغة عدوك الحقيقي، وتوجهها نحو إنسان في منطقة ما، ظانا أنك تنتصر لدينك.
فأنت في الحقيقة لا تنتصر إلا لمن يضحك عليك من بعيد.
اسألوا هؤلاء سؤالا واحدا فقط، وانظروا
كيف يتلعثمون: أين كانت حرارة مواقفكم حين ضربت أمريكا العراق؟ حين دُمر بلد سني
عربي على يد الآلة ذاتها التي تؤيدونها اليوم؟ حين قتل مئات الآلاف من أبناء
المذهب الذي تتشدقون بالدفاع عنه؟
الصمت هو الجواب. أو في أحسن الأحوال:
مراوغة وتبريرات. لأن المعيار عندهم ليس الإنسان، وليس المذهب في الحقيقة، بل
المعيار هو: من يدفع، ومن يوجه، ومن يرضى.
إن من يبكي الدم السني حين يستفكه
العربي، ويصمت حين يسفكه الأمريكي، فهو لم يكن يوما مدافعا عن مذهب، بل هو مرتزق
بلسان ديني.
ما الذي يعنيه أن تكون إنسانا في مواجهة
الحرب؟ يعني ببساطة أن تعترف بأن الدم واحد. أن طفلا إيرانيا يحترق لا يختلف في
ألمه عن طفل غزّي يدفن تحت الركام. أن أُمّا تبكي في طهران ينكسر فيها شيء لا
يختلف عما ينكسر في أم تبكي في بيروت أو بغداد أو أفغانستان.. لأن الإنسانية ليس
لها وطن ولا هوية ولا جغرافيا.
هذه الإنسانية البسيطة هي ما يفتقده
خطاب أشباه الأكاديميين جوهريا. ليس لأنهم لا يعرفونها، بل لأن الاعتراف بها يهدم
مشروعهم من الأساس. فمشروعهم قائم على التقسيم: هذا دم يُحزنني، وذاك دم يُسعدني،
بحسب المذهب والجنسية والعرق والحسابات السياسية.
والأخطر من ذلك أنهم يصدرون هذا الخطاب
للشعوب التي تثق بهم، فيربون أجيالا على أن التعاطف الإنساني له شروط: الشرط الأول
هو الهوية، والشرط الثاني هو المذهب، والشرط الثالث هو الخدمة السياسية.
التاريخ لم يرحم يوما من استقوى بالخارج
على أخيه في المنطقة. فلسطين شاهدة على ذلك. العراق شاهد. ليبيا شاهدة. السودان
شاهد. اليمن شاهد. كل أرض انفتحت أبوابها للغازي بحجة مواجهة عدو
"داخلي"، دفعت ثمنها لعقود من التشظي والتبعية والفقر.
حين تضرب إيران اليوم بتصفيق إقليمي
سياسي وأكاديمي، فلا أحد يضمن أن تلك الآلة ذاتها لن تدور غدا نحو أرض أخرى.
الغازي لا يحترم التحالفات المبنية على الحقد، لأنه لا يحترم المنطقة أصلا.. لا
شيعتها ولا سنتها ولا عربها ولا فرسها.
لا أحد ربح حين ضرب بلد في المنطقة، إلا
من كان خارجها.
كلمةٌ أخيرة لهؤلاء..
لستم أكاديميين حين تقدمون الغطاء
الفكري للقصف. لستم سياسيين حين تديرون ظهوركم للضحايا المدنيين. لستم دعاة حين
توظفون الدين وقودا لحروب المصالح. لستم صحافيين والصحافة منكم براء. أنتم شيء
أبسط وأمرّ: أصوات تباع، وأقلام تستأجر، وضمائر تقرّر أسعارها في غرف لا تفتح
للعامة.
والإنسانية - تلك الكلمة التي يبدو أنها
خارج قاموسكم - ليست ترفا فكريا ولا سذاجة سياسية. هي الخط الفاصل بين من يبني ومن
يهدم، بين من يفكر ومن ينفذ فيه، بين من يستحق لقب المثقف ومن لا يستحق سوى لقب
واحد يصفه كما هو.
يا صديقي.. الدم الذي لا تعدّه ثمنا،
سيعلمك التاريخ عدّه.
بسم الله، من يفتتح القول إنني شيعي
وغير وطني!

تعليقات