حسن اليوسفي المغاري
-----------------------
مؤسسات دستورية تُحذّر من تقويض التنظيم الذاتي للمهنة
عاد النقاش حول مشروع قانون المجلس
الوطني للصحافة إلى واجهة الساحة الإعلامية والسياسية بالمغرب، على هامش اليوم
الدراسي المنظم بتاريخ 13 أكتوبر 2025 بمجلس المستشارين، في وقت لا تزال فيه
اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون المجلس تواصل عملها منذ أكثر من سنة، وسط جدل واسع حول
مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة واستقلالية الصحافيين عن السلطة التنفيذية.
فمشروع القانون الجديد 026.25 الذي تسعى الحكومة إلى تمريره، يطرح تساؤلات
جوهرية حول مدى احترامه لروح القانون رقم 90.13، الذي أسس لفكرة مجلس مهني مستقل
يدبر المهنة بآليات انتخابية ومهنية، بعيدا عن أي وصاية إدارية.
1.
سياق الأزمة: من مجلس منتخب إلى لجنة مؤقتة
انتهت ولاية المجلس الوطني للصحافة في
2022 دون أن تُجرى انتخابات جديدة لتجديد هياكله، ما دفع الحكومة إلى إصدار مرسوم
يُحدث لجنة مؤقتة لتسيير شؤون المجلس.
ورغم الطابع “الاستثنائي” لهذا الإجراء،
إلا أن تمديده لأكثر من سنة ونصف أثار قلق المهنيين والحقوقيين، معتبرين أن
استمرار اللجنة يُفرغ مبدأ التنظيم الذاتي من مضمونه، ويحوّل المجلس إلى جهاز تابع
للحكومة.
وترى العديد من الأصوات داخل الجسم
الصحافي أن الوضع الراهن يمثل عودة مقنّعة إلى الضبط الإداري للمهنة، بدل دعم
استقلالية الصحافيين وتكريس الحوكمة المهنية كما نص عليها الدستور في فصله 28.
2.
تقارير المؤسسات الدستورية: تحذيرات واضحة
في خضم هذا النقاش، أبدت مؤسستان
دستوريتان بارزتان رأيهما في مشروع القانون الجديد، وقدّمتا ملاحظات جوهرية تعكس
مخاوف حقيقية بشأن المساس بروح التنظيم الذاتي.
أ. المجلس الوطني لحقوق الإنسان
في رأيه الاستشاري، ومن خلال مذكرته
الصادرة بتاريخ 16 شـــتنبر 2025، شدد المجلس على ضرورة توسيع نطاق
حرية التعبير من حرية الصحافة إلى حرية الإعلام. معتبرا أن أي تعديل يهم المجلس
الوطني للصحافة يجب أن يضمن الاستقلال الذاتي للمؤسسة في تشكيلها وتمويلها
واختصاصاتها، انسجاما مع المعايير الدولية لحرية الصحافة والتعبير.. نحو تقليص
التدخل التشريعي وتغليب التنظيم الذاتي.
كما شدد المجلس على ضرورة أن تبقى
الانتخابات المهنية الوسيلة الأساسية لتشكيل المجلس، معتبرا أن التعيين أو التدخل
الإداري “قد يقوّض جوهر التنظيم الذاتي ويضعف ثقة الصحافيين في مؤسستهم المهنية”.
ب. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي
والبيئي، إحالة رقم 38_2025 ، فقد ذهب في الاتجاه نفسه، داعيا في إحالته
إلى إصلاح مؤسساتي متوازن يكرس المهنية والمسؤولية، ويعيد هيكلة المجلس على أسس
الحوكمة، الشفافية، والمساءلة.
كما أوصى المجلس بإدماج تحولات التحوّل
الرقمي والذكاء الاصطناعي في القانون الجديد، وتوسيع مهام المجلس لتشمل مراقبة
المحتوى الرقمي ومحاربة التضليل الإعلامي، دون المساس بمبدأ حرية التعبير،
وباعتماد تمثيلية الجمهور والتوازن العددي بين ممثلي
الناشرين وممثلي الصحافيين في المجلس.
3.
قراءة تحليلية في مشروع القانون الجديد
لقد سبق أن تطرقنا في مقالات سابقة
للمستجدات التي يطرحها المشرّع من خلال مشروع القانون الجديد 026.25،
يمكن الرجوع إليها بالتفضيل من خلال العناوين التالية:
-
التنظيم الذاتي للصحافة بين الاستقلالية
والتأطير السياسي
-
مكونات ضد مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس
الوطني للصحافة
وبالرجوع اليوم، بمناسبة تنظيم اليوم
الدراسي بمجلس المستشارين، حول مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، وجب التذكير أن
المعطيات المتوفرة حول مشروع القانون الجديد المقدّم من طرف الحكومة، توجب
بالضرورة، وباختصار شديد، أن تأخذ هذه الحكومة برأي المجلسين )حقوق
الإنسان /الاقتصادي
والاجتماعي (، في العديد من النقط الواردة ضمن تقريرهما، وذلك قبل اعتماده على
الصيغة الحالية، لأنه سيكون كارثة أخرى سوف تسجل أولا على "التنظيم الذاتي
للصحافة"، وثانيا على "حرية الرأي والتعبير" في بلادنا. لأن الملاحظة الجوهرية على المشروع، هي أنه يميل
نحو تقوية الوصاية الحكومية على حساب الطابع المهني الذاتي، ما يُخشى أن يحوّل
المجلس إلى جهاز إداري يشتغل بمنطق "التفويض" لا "الاستقلال".
4.
مقارنة دولية: أين يقف المغرب؟
في التجارب الدولية، تتخذ مجالس الصحافة
ثلاثة أنماط رئيسية:
1.
النموذج المستقل (Self-Regulation)
مثل بلجيكا والسويد وكندا، حيث يتكوّن
المجلس من صحافيين وناشرين وممثلي الجمهور، دون تدخل حكومي مباشر.
2.
النموذج المختلط (Co-Regulation)
كما في فرنسا وألمانيا، حيث تؤطر الدولة
الإطار القانوني فقط، وتترك التسيير للمهنة.
3.
النموذج الإداري الرسمي (State
Regulation)
وهو الأقل ديمقراطية، حيث تسيطر الدولة
على المجلس إداريا وتمويليا، مما يضعف الثقة والمصداقية.
ويبدو أن المغرب، الذي كان يسير نحو
النموذج المختلط منذ 2018، يتراجع اليوم خطوتين نحو الضبط الإداري وسيطرة الناشرين،
وهو ما يتعارض مع روح دستور 2011 والتزامات المغرب في مجال حرية الصحافة.
5.
نحو قانون جديد يكرّس الاستقلالية والمسؤولية
لكي يكون مشروع القانون الجديد منسجما
مع التحولات الديمقراطية والحقوقية، يقترح عدد من الخبراء والفاعلين في الميدان
تضمين القانون المحاور التالية:
-
الاستقلال التنظيمي والمالي: ضمان تمويل مهني
شفاف ومستدام بعيد عن سلطة الحكومة.
-
الانتخاب بدل التعيين: تكريس شرعية التمثيلية
المهنية.
-
توسيع الاختصاصات الرقمية: مواكبة الذكاء
الاصطناعي والمحتوى الصحافي الإلكتروني.
-
المساءلة والشفافية: آليات مراقبة وتقييم واضحة
لأداء المجلس.
-
إشراك الجمهور والمجتمع المدني: لضمان بعد
ديمقراطي وتشاركي في قرارات المجلس.
خاتمة
إن الجدل حول مشروع قانون المجلس الوطني
للصحافة ليس نقاشا تقنيا، بل هو معركة حول مستقبل حرية الصحافة في المغرب. فإما أن
يعيد المشروع المرتقب الاعتبار لفكرة التنظيم الذاتي كإحدى ركائز الديمقراطية
المهنية، وإما أن يُكرّس واقع الوصاية الذي يحوّل المجلس إلى أداة إدارية فاقدة
للروح.
ومع صدور مذكرتي المجلس الوطني لحقوق
الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أصبح النقاش اليوم أكثر وضوحا:
المطلوب ليس مجرد تعديل قانون، بل تجديد
التعاقد المهني بين الصحافيين والدولة والمجتمع على أسس متينة: الاستقلال،
الأخلاق، والمسؤولية.

تعليقات