النكبة المستمرة.. ذاكرة مقاومة ووعد العودة لا يموت


 حسن اليوسفي المغاري

في الخامس عشر من ماي من كل عام، لا يستعيد الفلسطينيون مجرد ذكرى تاريخية عابرة أو يقلبون صفحات أرشيف مثقل بالأسى، بل يفتحون جرحاً وطنياً وإنسانياً ما يزال ينزف منذ عام 1948. إن "النكبة" في الوعي الفلسطيني ليست حدثاً زمنياً انتهى بانتهاء المعارك العسكرية الأولى؛ بل هي سيرورة استعمارية، ومشروع اقتلاع متواصل، بدأ بالمجازر الممنهجة والتهجير القسري وتدمير النسيج الاجتماعي والعمراني للقرى والمدن، ولم يتوقف عند حدود احتلال الأرض، بل امتد ليشمل محاولة اغتيال الذاكرة، وطمس الهوية، وتزييف التاريخ، وتفكيك الحقوق الوطنية في وعي الأجيال المتعاقبة.

جذور المأساة: التأسيس على أنقاض شعب

لقد قامت "دولة" الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض شعب كامل، في واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي في التاريخ الحديث. لم يكن خروج 750 ألف فلسطيني من ديارهم "هجرة طوعية" كما حاول الدعاية الصهيونية تصويرها لعقود، بل كانت نتيجة مباشرة لخطط عسكرية مدروسة (مثل الخطة "دالت") التي هدفت إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين عبر الترهيب والمذابح وتدمير أكثر من 500 قرية ومدينة.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يتوقف الاحتلال عن "إنتاج النكبة" بأدوات متجددة؛ فما بدأ بالبندقية والمدفع تحول إلى منظومة متكاملة من الاستيطان الكولونيالي، والحصار الخانق، والاغتيالات الممنهجة، وعمليات التهويد المستعرة للقدس، والاعتقالات الجماعية، وسياسات التجويع. إننا أمام كيان لا يبني استقراره إلا على زعزعة أمن الفلسطيني ووجوده، في مشهد يتكرر أمام صمت دولي مخزٍ وشراكة دولية جعلت من جريمة الاحتلال "واقعاً" يتم التعامل معه بأدوات دبلوماسية بدلاً من معالجته كقضية تحرر وطني.

واشنطن والشرعية الدولية: رعايةٌ للمأساة لا وساطة

لا يمكن قراءة استمرار النكبة بمعزل عن الدور الأمريكي. إن الولايات المتحدة، التي طالما سوقت لنفسها كحامية للديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تكن يوماً "وسيطاً نزيهاً"، بل كانت، وما تزال، الراعي الاستراتيجي الأكبر للمشروع الصهيوني في المنطقة.

إن استخدام "الفيتو" الأمريكي المتكرر في مجلس الأمن لحماية الاحتلال من المساءلة، وتدفق صفقات السلاح المتطورة التي تقصف بها غزة، والتغطية الدبلوماسية التي تمنح إسرائيل حصانة دولية من العقاب، ليست مجرد دعم لحليف استراتيجي، بل هي مشاركة فعلية في صناعة المأساة الفلسطينية وإدامتها. لقد رسخت واشنطن مفهوماً دولياً مشوهاً يجعل من "أمن الاحتلال" مقدساً، بينما تظل دماء الفلسطينيين وحقوقهم السياسية والوطنية خارج دائرة الاهتمام الفعلي.

التخاذل العربي: خيبة الأمل وانكشاف الأقنعة

وفي الضفة الأخرى، واجه الفلسطينيون طعنات من نوع مختلف؛ إذ اختارت أنظمة عربية "هرولت" نحو التطبيع مع القاتل، الاصطفاف إلى جانب القوة المحتلة، متجاهلة الحق التاريخي والأخلاقي. لقد فتحت هذه الأنظمة أبوابها لجيش الاحتلال، ورفعت شعارات "السلام" الزائف، بينما كانت غزة تُباد، والضفة تُبتلع بالمستوطنات، والقدس تُدنس يومياً.

هذا الاصطفاف لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل كان سقوطاً لأقنعة "التضامن العربي". اتضح أن بعض الحكومات لم تعد ترى في فلسطين قضية تحرر وطني، بل عبئاً سياسياً تريد التخلص منه بأي ثمن، وورقة تفاوض في سوق المصالح الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشارع العربي، رغم القمع والتضييق، ما زال بوصلته فلسطين، وأن الفجوة بين الشعوب وأنظمتها في هذه القضية اتسعت لتصبح هوة سحيقة.

صمود لا يلين: الحقيقة التي هزمت المشروع الصهيوني

رغم كل هذا الخراب، ورغم محاولات الإبادة المادية والمعنوية، بقي الشعب الفلسطيني واقفاً. هذه هي الحقيقة الصلبة التي أفشلت المشروع الصهيوني منذ لحظته الأولى؛ شعب لا يموت، ولا ينسى، ولا يساوم على أرضه وكرامته.

من قلب غزة التي تقدم للعالم درساً يومياً في الصمود تحت الحصار، إلى جنين التي تنبت المقاومة من رحم الألم، ومن القدس المحاصرة بأسوار التهويد، إلى مخيمات الشتات التي تحتفظ بذكريات البلاد الأولى.. يواصل الفلسطينيون كتابة ملحمة بقائهم. لقد تحول "حق العودة" من شعار عاطفي إلى عقيدة سياسية وقانونية يورثها الأجداد للأحفاد، مؤكدين أن الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم، مهما طال أمد الظلم ومهما تعاظمت قوة الباطل.

يقظة الضمير العالمي: فلسطين قضية إنسانية كبرى

في مقابل تواطؤ الحكومات، برزت الشعوب الحرة في العالم كضمير حيّ للإنسانية. إن ملايين المتظاهرين في شوارع العواصم الغربية، والطلبة الذين اعتصموا في أعرق الجامعات الأمريكية والأوروبية دفاعاً عن فلسطين، والنقابات والمثقفون الذين كسروا جدار الصمت والدعاية الصهيونية.. جميعهم أعادوا تعريف القضية.

لقد أصبح العالم يدرك أن فلسطين ليست مجرد ملف في أروقة الأمم المتحدة، بل هي قضية عدالة إنسانية كبرى، ومحك حقيقي للأخلاق الدولية في القرن الحادي والعشرين. إن هذا التضامن العالمي يمثل تحولاً استراتيجياً، حيث بدأت الشعوب تتمرد على حكوماتها المتواطئة، رافعة صوتها عالياً ضد الاحتلال والعنصرية والاستعمار، مشكلةً بذلك جدار حماية معنوياً للشعب الفلسطيني.

خاتمة: وعدٌ بالعودة

إننا في ذكرى النكبة، لا نكتفي بالبكاء على أطلال القرى التي دُمرت، بل ننحني إجلالاً للشعب الفلسطيني الذي واجه آلة القتل والإبادة بإيمان لا ينكسر. إن فلسطين ستبقى بوصلة الأحرار في العالم، وستظل النكبة شاهداً حياً على جريمة لم تُغلق ملفاتها بعد؛ لأن أصحاب الأرض ما يزالون هنا، يرفضون الاندثار، يتذكرون أسماء قراهم، ويحملون مفاتيح بيوتهم كأمانة في أعناقهم.

إن النكبة المستمرة لم تنجح في إنهاء فلسطين، بل نجحت في جعل فلسطين "فكرة" لا تُهزم، وفعل مقاومة لا يتوقف، ووعداً بالعودة يزداد تجذراً مع كل قطرة دم تسيل على هذه الأرض الطاهرة. فلسطين باقية، والاحتلال إلى زوال، لأن التاريخ لا يرحم الغزاة، ولأن الشعوب التي تتمسك بحقها لا بد أن تنتصر في نهاية المطاف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..