الدعاية الإعلامية السياسية وتأثيرها على الرأي العام: هندسة العقول تحت القصف

 


حسن اليوسفي المغاري


تعتبر الدعاية الإعلامية السياسية أحد أهم الأدوات التي تُستخدم في توجيه وتشكيل الرأي العام، وهي الوسيلة التي تسمح للجهات والمؤسسات الرسمية بالتواصل مع الرأي العام ونقل رسائلها وأفكارها وتوجّهاتها. لكن مع مرور الوقت، أصبح للدعاية الإعلامية السياسية تأثير أعمق وأكبر، مما جعلها عنصراً حاسماً في تشكيل القيم والوعي المجتمعي.

تستخدم هذه الدعاية وسائل الإعلام -من صحافة وبرامج تلفزيونية وصولاً إلى خوارزميات التواصل الاجتماعي- لنشر رسائل تهدف للترويج لفكر أو توجيه محدد. وعندما تُضخ الأخبار والمعالجات بشكل مستمر حول قضية معينة، فإن الغرض الرئيس هو توجيه وعي المتلقي نحو زوايا نظر محددة، مما يجعله أكثر عرضة لتبني تلك الرؤية. كما تتجاوز الدعاية نقل المعلومات لتلعب دوراً في تشكيل المعتقدات، حيث يتم رسم صور ذهنية إيجابية أو سلبية لشخصيات أو مجموعات، ما يؤثر جذرياً على تصورات الجمهور تجاههم. ولا يتوقف الأمر عند الجانب المعرفي، بل يمتد للتأثير النفسي عبر بث الخوف، التلاعب بالعواطف، واختلاق أجواء الحرب النفسية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

حرب غزة: مختبر حي لهندسة الروايات

لم تكن الحرب على غزة التي اندلعت في أعقاب السابع من أكتوبر 2023 مجرد صراع عسكري ميداني؛ بل كانت تجسيداً حياً لهذه النظريات، ومختبراً عالمياً مفتوحاً لـ "حرب الروايات". لقد رأينا كيف تحولت الشاشات والمنصات الرقمية إلى ساحات قتال موازية، حيث برزت استراتيجيات الدعاية السياسية في أقسى صورها خلال الأشهر الخمسة التالية للحدث.

استراتيجية التجريد من الإنسانية

اعتمدت السردية الغربية الرسمية استراتيجية "التأطير الأخلاقي الانتقائي"، مختزلةً تاريخ الصراع في لحظة السابع من أكتوبر، ومفعلةً آليات التنميط الكلاسيكية. تم استخدام مصطلحات مثل "الإرهاب" مقابل "الديمقراطية" كأدوات لشحن العواطف وإغلاق منافذ التفكير النقدي، وهو ما يطابق تماماً ما أشرنا إليه في الافتتاحية حول "التأثير النفسي" وبث الخوف كأداة للتحكم في الرأي العام.

كسر احتكار الحقيقة

في المقابل، واجهت هذه الآلة الدعائية الرسمية "زلزالاً" رقمياً. بفضل "المواطن الصحفي" ومنصات مثل "تيك توك"، سقطت هيمنة الوسيط التقليدي. لقد أدت الصور المباشرة للدمار إلى خلق فجوة بين "الرواية الرسمية" وبين ما رآه الناس بأعينهم، مما تسبب في تآكل مصداقية المؤسسات الإعلامية الكبرى، وأثبت أن الدعاية التقليدية لم تعد قادرة على الصمود أمام تدفق المعلومات الخام.

المشهد العربي: بين العاطفة والضغط 

وفي العالم العربي، واجه الإعلام تحدياً مزدوجاً؛ فبينما ضغطت الشعوب المتعاطفة مع غزة لدفع الخطاب الإعلامي نحو جرأة أكبر، ظلت المؤسسات الرسمية تُمارس الحذر الدبلوماسي. وهنا نرى كيف تتحول الدعاية إلى أداة للتوازن، حيث تُستخدم الأدوات الإعلامية أحياناً لتعزيز التعاطف، وأحياناً أخرى لاحتواء ردود الفعل الشعبية ضمن "خطوط حمراء" محددة.

خاتمة: صراع الوعي المستمر

المستمر بعد مرور خمسة أشهر، يمكننا القول إن الحرب على غزة قد دشنت عصراً جديداً في "دعاية الحروب". لقد أثبتت هذه الفترة أن تأثير الدعاية السياسية لم يعد يكمن في "ماذا يقول الإعلام"، بل في قدرة الجمهور على رصد التناقضات. إننا أمام رأي عام عالمي جديد، أكثر تشككاً وأقل ثقة في السرديات الجاهزة. وفي نهاية المطاف، يبقى الصراع على الرأي العام هو المعركة الكبرى التي تُقرر موازين القوى في العالم الحديث، حيث أصبحت الحقيقة -بأدوات التوثيق الفردي- هي التهديد الأكبر لأي دعاية سياسية تسعى لتزييف الواقع.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..