غزة ليست "صفقة عقارية": حينما يتجاهل ترامب التاريخ والجغرافيا والإنسان
حسن اليوسفي المغاري
في
مشهد يتكرر بانتظام، حيث يُختزل الصراع الأطول في العصر الحديث إلى مجرد
"صفقة" في دفتر حسابات، عاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ليثير
جدلاً عبثياً بمقترحه "شراء غزة وامتلاكها". هذا الطرح، الذي يلامس حدود
الفانتازيا السياسية، لا يعكس فقط جهلاً مطبقاً بطبيعة القضية الفلسطينية، بل يمثل
استمراراً لنهج "صفقة القرن" الذي أراد تحويل الحقوق التاريخية لشعب
بأكمله إلى أرقام في ميزانية استثمارية.
يتحرك المقترح الذي طرحه ترامب ضمن عقلية "رجل الأعمال" التي لا ترى في الأرض سوى مساحة قابلة للاستحواذ، وفي الشعوب مجرد عمالة رخيصة أو متلقين للمساعدات. إن الحديث عن "شراء" قطاع غزة وتحويله إلى منطقة استثمارية، ثم "توزيع أجزاء منه" على دول المنطقة، هو في جوهره إعادة صياغة لمفهوم الاستعمار القديم، مغلفاً بوعود واهية عن "السكن والوظائف".
إن
هذا الطرح يتجاهل حقائق ثابتة:
- الجغرافيا السياسية: غزة ليست جزيرة مهجورة في المحيط،
بل هي جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، وأي حديث عن "امتلاكها" هو
انتهاك صارخ للقانون الدولي وحق تقرير المصير.
- الإرادة الشعبية: الشعب الفلسطيني الذي صمد لعقود
في وجه الحصار والحروب، لم يقدّم هذه التضحيات الجسام ليكون جزءاً من
"مجلس سلام" أو "مشروع استثماري" يمليه رئيس أجنبي.
لم يكن الرفض الفلسطيني لهذه التصريحات مجرد استنكار سياسي، بل كان تعبيراً عن كرامة شعب يرفض أن يُسحق تحت أقدام "البراغماتية المتوحشة". لقد كانت ردود فعل الفصائل، وعلى رأسها حركة حماس، واضحة ومباشرة: غزة ليست عقاراً يُباع في المزاد.
إن
محاولة تحويل غزة إلى "مستثمرة" يعني بالضرورة تصفية القضية الوطنية،
وإلغاء حق العودة، وتحويل الفلسطينيين إلى مجرد "زبائن" أو "أيدي
عاملة" في كيانٍ يتم التحكم فيه من واشنطن. لقد أدرك الفلسطينيون مبكراً أن
خلف هذه الوعود بالتنمية يكمن هدف واحد: إنهاء الوجود الوطني الفلسطيني وتثبيت
الأمر الواقع الذي يخدم الأطماع الاستعمارية.
إن التطورات الميدانية والسياسية تثبت يوماً بعد يوم أن مشاريع ترامب تظل حبيسة الأوراق والخطابات الدعائية. إن تشكيل ما يسمى "مجلس السلام في غزة" في ظل غياب أي أرضية حقيقية للتمويل، ومع رفض مطلق من أصحاب الأرض، يجعله مؤسسةً بلا نفوذ، ومشروعاً ميتاً قبل أن يبدأ.
إن
التغيير الحقيقي الذي تحتاجه غزة ليس "شراءها" أو الاستثمار فيها كمشروع
عقاري، بل هو إنهاء الحصار الظالم، وإيقاف جرائم الإبادة والتدمير، وتمكين الشعب
الفلسطيني من إدارة أرضه وموارده بحرية وسيادة تامة.
إن التاريخ لن يسجل لهذه المقترحات سوى كونها فصلاً جديداً من فصول العبث السياسي الذي تعامل مع القضية الفلسطينية كسلعة. غزة، بجراحها النازفة وأبنائها الصامدين، تظل أيقونة للتحرر التي لا تخضع لقوانين السوق. لا الأموال الموعودة، ولا "مجالس السلام" المصطنعة، ولا وعود "الاستثمار" قادرة على شراء إرادة شعب قرر أن يكون صاحب الأرض، لا السلعة المعروضة للبيع.
إن
العالم مطالب اليوم بأن يرى غزة لا كخريطة للاستثمار، بل كقضية عدالة إنسانية
تنتظر الإنصاف، وليس "الاستحواذ".

تعليقات