غزة.. صمود وإبادة




غزة: جرحٌ في ذاكرة الإنسانية.. بين ملحمة الصمود ومحارق الإبادة

في قطاع غزة، لم تعد الحرب مجرد أرقام تُحصى في تقارير الأمم المتحدة، أو عناوين عابرة في نشرات الأخبار. إنها واقعٌ يومي يتشكل من رماد المنازل المهدومة، ورائحة البارود الممزوجة بدم الأبرياء، وصيحات المكلومين الذين لم يجدوا من يجيب نداء استغاثتهم. بصفتي صحافياً يواكب تفاصيل هذا الملف الدامي منذ عقود، أجد نفسي اليوم أمام مهمة صعبة: توثيق مشهد يتجاوز حدود الوصف، حيث تتداخل إرادة البقاء مع محاولات المحو الممنهج. إننا أمام فصلٍ هو الأكثر قسوة في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث تحولت غزة إلى "مختبرٍ للموت" و"أيقونةً للكرامة" في آن واحد.

مشهد الدمار: بنية تحتية سويت بالأرض

عندما نتحدث عن الدمار في غزة، فنحن لا نتحدث عن أضرار جانبية، بل عن سياسة "الأرض المحروقة" التي تستهدف محو معالم الحياة. لقد تحولت مدن القطاع التي كانت تعج بالحركة إلى ركامٍ صامت.

  • القطاع السكني: تشير البيانات المتراكمة إلى تدمير أكثر من 60% من الوحدات السكنية بشكل كامل أو جزئي. أحياء بأكملها، مثل الشجاعية والرمال وبيت حانون، لم تعد موجودة على الخارطة. المشهد ليس مجرد منازل مهدمة، بل هو تمزيق للنسيج الاجتماعي وتهجير قسري لأكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون اليوم في خيام بالية تحت رحمة العراء.
  • المنظومة التعليمية والصحية: لقد تعمدت آلة الحرب استهداف "مركز الثقل" في المجتمع الغزي. تم تدمير معظم الجامعات والمدارس، مما خلق فجوة تعليمية لأجيال كاملة. أما القطاع الصحي، فقد خرجت الغالبية العظمى من المستشفيات عن الخدمة نتيجة القصف المباشر أو نقص الوقود والمستلزمات، ليتحول الجرح إلى حكم بالإعدام.

إن هذا التدمير ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية تهدف إلى جعل غزة "مكاناً غير صالح للعيش"، في محاولة لكسر إرادة أهلها ودفعهم نحو خيار الرحيل القسري.

الإبادة البشرية: عندما يصبح القتل إحصاءً

إن أخطر ما في هذه الحرب هو "تطبيع الموت". لقد فقدت الأرقام قدرتها على الصدمة، ولكن خلف كل رقم في سجلات الشهداء حكاية وعائلة ومستقبل كان يمكن أن يكون.

ما نشهده في غزة يرتقي وفق القوانين الدولية إلى مصاف "الإبادة الجماعية". ليس فقط بسبب حجم الضحايا الذي فاق كل التوقعات، بل بسبب طبيعة الاستهداف. النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من الشهداء. إن استهداف عائلات بأكملها ومسحها من السجلات المدنية ليس خطأ عسكرياً، بل هو فعلٌ متعمد.

نحن لا نتحدث فقط عن الموت بالقذائف، بل عن الموت البطيء. الحصار المطبق الذي يمنع دخول الغذاء والدواء والماء النظيف جعل من "الجوع" سلاحاً فتاكاً. سياسة التجويع التي تُمارس هي وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي يقف متفرجاً أمام كارثة إنسانية تتفاقم كل يوم.

الصمود: المعجزة التي لا يفسرها المنطق

في مقابل هذا التوحش، يبرز "الصمود الغزي" كظاهرة تستعصي على الفهم العسكري التقليدي. كيف يجد إنسانٌ تحت القصف، بلا مأوى وبلا طعام، القوة لكي يبتسم؟ كيف تستمر الحياة في خيمة مهترئة؟

الصمود في غزة ليس مجرد صبر، بل هو فعل مقاومة. هو التمسك بالبقاء في الأرض رغم أنف الموت. هو ذاك الأب الذي يبحث بين الركام عن طفلته ليدفنها بكرامة، وتلك الأم التي تقسم حصتها من الخبز على أطفالها لتضمن بقاءهم يوماً إضافياً. هذا الصمود هو الذي أفشل أهداف الحرب. أرادوا تهجيراً فواجهوا ثباتاً، وأرادوا استسلاماً فواجهوا كبرياءً لا ينكسر.

إن غزة اليوم تعيد تعريف مفهوم "الانتصار". الانتصار هنا ليس بالضرورة في موازين القوى العسكرية، بل في القدرة على البقاء، وفي القدرة على نقل رواية المظلومية إلى العالم رغم محاولات التعتيم والتضليل الإعلامي.

الإعلام وحرب الرواية

كصحافيين، واجهنا في غزة تحدياً مزدوجاً: نقل الحقيقة في ظل انقطاع الاتصالات، ومواجهة حملات التضليل التي تحاول شيطنة الضحية وتبرير الجلاد. لقد دفع الزملاء في غزة ثمناً باهظاً؛ عشرات الصحافيين ارتقوا وهم يحملون كاميراتهم، في محاولة لمنع إبادة الحقيقة.

لقد كشفت الحرب عن ازدواجية معايير صارخة في الإعلام الغربي والمنظمات الدولية. رأينا كيف يُبرر القتل إذا كان تحت بند "الدفاع عن النفس"، وكيف يتم تجاهل آلاف القصص الإنسانية التي تصرخ من تحت الركام. لكن، بفضل منصات التواصل الاجتماعي، سقطت الحواجز، وأصبح العالم شاهداً مباشراً على الجريمة، مما خلق موجة تضامن عالمية لم يسبق لها مثيل، خاصة في الأوساط الأكاديمية والشبابية في الغرب.

الخاتمة: غزة التي ستنهض

إن ما يحدث في غزة هو امتحانٌ لضمير الإنسانية. التاريخ لن يرحم الصامتين، ولن يغفر للمتواطئين. إن غزة، رغم كل هذا الدمار، لا تموت. إنها تكتب فصلاً جديداً في تاريخ التحرر الإنساني.

قد يُهدم الحجر، وقد ترحل الأرواح إلى بارئها، لكن الفكرة التي انطلقت من غزة - فكرة الحق والعدالة والتمسك بالأرض - لن تُهزم. سيعاد بناء غزة، ليس كمدينة للحجر فحسب، بل كرمزٍ عالمي للإرادة التي لا تلين.

إن غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة؛ إنها بوصلة الأحرار في كل مكان. وما نكتبه اليوم ليس مجرد مقال، بل هو شهادة للتاريخ بأن شعباً قرر أن يحيا، حتى لو كان ثمن الحياة هو الفناء. ستظل غزة حية في الذاكرة، وستظل دماء شهدائها وقوداً لمسيرة طويلة نحو الحرية والعدالة التي لا بد أن تتحقق، مهما طال ليل الظلم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..