بين العدالة والواقعية السياسية: لماذا يقف القانون الدولي عاجزا أمام ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين؟

في الوقت الذي يرفع فيه المجتمع الدولي شعارات "النظام الدولي القائم على القواعد"، تبرز الأزمة في قطاع غزة كاختبار وجودي لصدقية المؤسسات الحقوقية والقضائية العالمية. وبينما تتراكم التقارير الموثقة حول انتهاكات جسيمة، يطرح المتابعون تساؤلا جوهريا: لماذا يبدو القانون الدولي، بأدواته ومحاكمه، عاجزا عن ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين؟ إن الإجابة لا تكمن في نصوص القانون بقدر ما تكمن في "جيوسياسية العدالة"، حيث تتحول المحاكم الدولية إلى ساحات صراع سياسي تتجاوز حدود القاعات القضائية. 1. معضلة "السيادة" و"الاستثنائية" يعاني القانون الدولي من عطب بنيوي يتمثل في غياب سلطة تنفيذية فوق-وطنية. فالعدالة الدولية لا تزال تعتمد بشكل شبه كلي على "الإرادة السياسية" للدول الكبرى. في حالة إسرائيل، تُستخدم مظلة "حق الدفاع عن النفس" – التي تتبناها قوى دولية نافذة – كغطاء لتعطيل المساءلة، مما يخلق بيئة قانونية تسمح بتفسير واسع وفضفاض للقانون الإنساني الدولي، يفرغه من محتواه الحقيقي عند تطبيقه على الأرض. 2. الازدواجية: معيار "القوة" لا "الحق" تُعد الازدواجية في تطبيق المعايير التحدي الأكبر لشرعية القضاء الدولي. فبينما يتم تفعيل مذكرات التوقيف الدولية بسرعة قياسية تجاه قادة دول من خارج "نادي الأقوياء"، تتعرض المحكمة الجنائية الدولية لضغوط هائلة عند اقترابها من الملف الإسرائيلي. هذه الازدواجية ليست مجرد خلل فني، بل هي ممارسة سياسية متعمدة تُكرس مفهوم "العدالة الانتقائية"، حيث يصبح القضاء الدولي أداة بيد القوي لتأديب الضعيف، وليس ميزاناً للحق للجميع. 3. الضغوط والتهديدات: ترهيب القضاة لا تقتصر المعارضة على الخطاب السياسي؛ بل تتعداها إلى "إرهاب المؤسسات". لقد شهدنا كيف تعرضت المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها لتهديدات مباشرة، بما في ذلك التلويح بفرض عقوبات اقتصادية وقانونية على المسؤولين عن التحقيقات. هذا "الابتزاز الجيوسياسي" يخلق بيئة عمل خانقة تجعل القضاة في حالة دفاع مستمر عن وجود المحكمة نفسها، بدلاً من التركيز على تحقيق العدالة. التلويح بالعقوبات ليس مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو رسالة واضحة مفادها: "ثمة خطوط حمراء لا يجوز للعدالة تجاوزها". 4. التحدي الإجرائي والتعاون القضائي تعتمد المحكمة الجنائية الدولية في جمع أدلتها وتنفيذ مذكراتها على تعاون الدول. وعندما ترفض القوى العظمى – التي توفر الغطاء السياسي لإسرائيل – التعاون أو ترفض الاعتراف بولاية المحكمة (باعتبار إسرائيل ليست عضواً في نظام روما الأساسي)، فإن المحكمة تصبح أشبه بمن يطالب بإنفاذ القانون في فراغ سياسي. خاتمة: مستقبل النظام الدولي إن استمرار العجز الدولي في ملاحقة الانتهاكات في غزة لا يؤدي فقط إلى إفلات الجناة من العقاب، بل ينسف "العقد الاجتماعي الدولي". إن استمرار هذا النمط سيؤدي حتماً إلى تآكل الثقة في القانون الدولي كمرجعية إنسانية، وتحوله إلى مجرد "أرشيف" للجرائم لا يمتلك القدرة على منع تكرارها. إن العدالة التي لا تطبق على الجميع، هي في جوهرها شكل من أشكال الظلم المنظم. وما لم يتحرر القضاء الدولي من أغلال الضغوط الجيوسياسية، سيظل عاجزاً عن كتابة الفصل الأخير في مأساة غزة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..