المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

سبتة تحت الضغط: بين الأرقام الرسمية والخطاب السياسي المتصاعد

صورة
  بالعربي من باريس  - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com   ​ثمة لحظات تكشف فيها الأزمات عن وجهين متزامنين: وجه إنساني يُقاس بالمآسي الفردية، ووجه سياسي-إعلامي يُقاس بالأرقام وتوظيفها. أزمة مدينة سبتة المحتلة الأخيرة نموذج صارخ على هذا الازدواج، حيث بات السؤال عن "كم عدد العابرين؟" لا يقل أهمية عن السؤال الأصعب: "من يستفيد من تضخيم هذا الرقم أو تقليصه؟" ​ حين يتحول الرقم إلى خطاب ​ ​تداول رقم 49 ألف عابر خلال 24 ساعة، منسوبا إلى وكالة "رويترز" نقلا عن الداخلية الإسبانية، أثار موجة من الذعر الافتراضي قبل أن يثيرها الواقع الميداني نفسه. تدقيق هذا الرقم في ضوء السجلات الرسمية والتقارير الموثقة يكشف عن مفارقة: الرقم مبالغ فيه، بينما تشير المعطيات الميدانية الموثقة إلى وصول أكثر من 1500 مهاجر خلال أيام قليلة فقط، بمعدل يقارب 300 عابر يوميا سباحة أو بوسائل طفو، مع سقوط أكثر من 60 ضحية غرقا منذ بداية الموجة. هذا لا يعني أن الأزمة مصطنعة؛ فمشاهد الشباب وهم يعبرون سباحة نحو الشواطئ الحدودية المغربية الإسبانية حقيقية ومأساوية. لكن المسافة بين "ال...

المؤسسات الإعلامية أمام اختبار البقاء.. لماذا لم يعد النموذج الاقتصادي التقليدي قادرا على تمويل الصحافة؟

صورة
  بالعربي من باريس  - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com   لم تعد أزمة الصحافة في العالم أزمة مهنية أو تكنولوجية فقط، بل أصبحت، قبل كل شيء، أزمة نموذج اقتصادي . فالتطورات التي يرصدها تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لا تقتصر على تغير عادات استهلاك الأخبار، وإنما تكشف عن تحوّل جذري في الطريقة التي تُنتج بها القيمة الاقتصادية داخل الصناعة الإعلامية. فبينما يزداد استهلاك الأخبار عبر المنصات الرقمية، تتراجع قدرة المؤسسات الصحفية على تحويل هذا الاستهلاك إلى موارد مالية مستدامة . لقد نجحت التكنولوجيا في جعل الوصول إلى الأخبار أسرع وأسهل، لكنها في الوقت نفسه أعادت توزيع العائدات الاقتصادية. فالشركات المالكة للمنصات الرقمية تستحوذ على الجزء الأكبر من سوق الإعلانات الرقمية، بينما تتحمل المؤسسات الإعلامية تكلفة إنتاج المحتوى والتحقق منه وتغطية الأحداث. وهكذا أصبحت الصحافة تموّل المعرفة، في حين تجني المنصات معظم العائد الاقتصادي الناتج عن تداولها . عندما انهار النموذج القديم طوال عقود، اعتمدت الصحف على معادلة مستقرة: مبيعات النسخ الورقية،...

من قلب باريس..

  بالعربي من باريس  - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com   في مدينة يتكلّم فيها الحجر، أدركتُ أن الوجود لا يُقاس بضخامة ما يُرى، بل بعمق ما هو في الباطن . باريس، في جوهرها، ليست مكانا بقدر ما هي سؤال. من عبرها بعين الظاهر رأى الأشكال، ومن عبرها بعين الباطن واجه ذاته. فالمكان الواحد يمنح كل قادمٍ إليه على قدر استعداده الوجودي، لا على قدر جماله الموضوعي . كل خطوة في هذه المدينة تكشف مفارقةً قديمة: أن الإنسان يظن أنه يقطع المسافات بين الجغرافيات، بينما هو في الحقيقة يقطع المسافة الوحيدة التي تعنيه: تلك التي بين نفسه وأصلها . وددتُ لو أن هذا التنوع البشري المتراكم في شوارع المدينة، العصرية والقديمة – بألسنته وألوانه – يتحوّل من مجرد تعايشٍ مادي إلى وحدة في المعنى؛ إذ الاختلاف، فلسفيا، ليس نقيض الوحدة الإنسانية، بل أحد شروط اكتمالها . وفي زحمة العابرين، تكشّف لي أن الغربة ليست انفصالا جغرافيا، بل انفصالٌ عن الحقيقة الداخلية للذات. قد يقيم المرء في وطنه وهو أشد غربة من غريبٍ يعرف من هو . سلامٌ على وعيٍ لا يزال يرى في الصباح إمكانًا، وفي الغروب معنى، وفي ...

أزمة الثقة في الإعلام.. لماذا لم يعد الجمهور يصدق الأخبار؟

صورة
  بالعربي من باريس - حسن اليوسفي المغاري - elyousfi@gmail.com   حين تصبح المصداقية أغلى من السبق الصحفي   إذا كان القرن العشرون قد شهد تنافس وسائل الإعلام على السبق الصحفي، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد تنافسا من نوع آخر : التنافس على الثقة . ولعل هذه هي الرسالة الأبرز التي يحملها تقرير الأخبار الرقمية 2026 (Digital News Report) الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة. فبينما تتطور وسائل إنتاج الأخبار وتتوسع المنصات الرقمية وتتقدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال المركزي هو : هل ما زال الجمهور يثق فيما يقرأ ويسمع ويشاهد؟ وتشير نتائج التقرير إلى أن مستويات الثقة في الأخبار ما تزال منخفضة أو مستقرة عند مستويات متواضعة في عدد من الدول، في وقت تتزايد فيه المخاوف من المعلومات المضللة وصعوبة التمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى الموجه أو المفبرك . من أزمة إعلام إلى أزمة ثقة قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة تكمن في وفرة المعلومات، لكن الواقع أكثر تعقيدا. فالمجتمعات لم تعد تعاني من نقص الأخبار، بل من فائضها . كل دقيقة تحمل آلاف المنشورات، ومقاطع الفيديو،...

من يملك الحقيقة في عصر المنصات؟

صورة
  بالعربي من باريس حسن اليوسفي المغاري elyousfi@gmail.com   بين الصحافة المهنية وصناع المحتوى والمؤثرين لم تعد المنافسة في المجال الإعلامي تقتصر على الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية. فقد أفرزت البيئة الرقمية فاعلين جددا استطاعوا، خلال سنوات قليلة، أن يستقطبوا ملايين المتابعين، وأن يتحولوا إلى مصدر رئيسي للأخبار والتعليق والتحليل بالنسبة إلى فئات واسعة من الجمهور، خصوصا الشباب . ولعل أبرز ما يكشفه تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز هو أن الحدود الفاصلة بين الإعلام المهني والمحتوى الرقمي أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فعدد متزايد من المستخدمين لا يميز بين الخبر الذي أنتجته مؤسسة إعلامية وفق قواعد مهنية، وبين مقطع فيديو يصوره مؤثر بهاتفه المحمول، إذا كان كلاهما يصل إليه عبر المنصة نفسها. وهذا التحول يفرض أسئلة عميقة حول مستقبل الصحافة، ومفهوم المصداقية، ومن يمتلك سلطة التأثير في الرأي العام. صعود المؤثر وتراجع الوسيط في النموذج الإعلامي التقليدي، كانت المؤسسة الصحفية تؤدي دور الوسيط بين الحدث والجمهور. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي ...