المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2026

تنظيمٌ ذاتي تحت الوصاية وتجميلٌ مؤسساتي لواقع إعلامي مأزوم

صورة
     - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com بعد ثلاثة عقود في مهنة الصحافة، لا أكتب اليوم من موقع المتفرج، ولا من حنين رومانسي إلى زمن مضى. أكتب من موقع من عاش المهنة من الداخل، عرف غُرف الأخبار، وعاين تحوّلات الصحافي والمؤسسة الإعلامية، واشتغل في بيئة كان فيها القلم ــ بكل محدوديته ــ يحاول أن يحتفظ بمسافة ضرورية عن السلطة والمال والمصالح . ولهذا أجدني مضطراً إلى طرح سؤال يبدو صادما، لكنه أصبح مشروعا : هل لدينا اليوم صحافة بالمعنى المهني والحقوقي والأخلاقي الذي يجعل الحديث عن "التنظيم الذاتي للمهنة" قابلا للتصديق؟ فالمشكلة لم تعد في النصوص وحدها، ولا في تغيير القوانين، ولا في إعادة تركيب المؤسسات. المشكلة أعمق من ذلك بكثير . المشكلة في الفجوة المتّسعة بين الصورة التي يجري تقديمها عن المشهد الإعلامي المغربي، وبين الواقع الذي يعيشه الصحافي والمؤسسة والقارئ . هناك، من جهة، خطاب رسمي ومؤسساتي كثيف عن التقدم والعصرنة والحكامة وحقوق الإنسان واستقلالية المهنة والتنظيم الذاتي . وهناك، من جهة أخرى، واقع مهني واجتماعي واقتصادي لا يحتاج إلى كثير من التجميل ح...

حين تتحول الجنازات إلى شهادة إدانة للعالم..

صورة
 - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com   ليست هذه صورة لجنازة جماعية فحسب، بل هي صورة لمحكمة أخلاقية يقف فيها العالم كله في قفص الاتهام . على امتداد المشهد، لا تبدو الأكفان الفلسطينية مجرد أقمشة تلف أجساد الضحايا، وإنما تتحول إلى أعلام تفضح انهيار النظام الدولي، وتكشف أن القانون الإنساني الذي طالما تباهت به القوى الكبرى، أصبح انتقائيا إلى حد فقدان معناه . في غزة، شُيِّع أكثر من مائة شهيد من عائلتي أبو شريعة والحساينة بعد عامين ونصف من الانتظار تحت الأنقاض. عامان ونصف احتاجتهما العائلات لتستعيد أشلاء أبناءها من تحت الركام، بينما كان العالم يكتفي بإصدار البيانات، وعقد الاجتماعات، وتكرار عبارات "القلق البالغ" التي لم تنقذ طفلا، ولم توقف قذيفة، ولم تمنع مجزرة . وفي الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من مائة وخمسين فلسطينيا قُتلوا في غزة خلال الشهر الماضي وحده. أرقام جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الضحايا، حتى بات الموت حدثا يوميا لا يهز ضميرا، ولا يحرك إرادة سياسية، ولا يدفع المجتمع الدولي إلى تجاوز حدود الإدانات اللفظية . لقد تجاوزت المأساة حدود الحرب التقليدي...

بلاغ وزارة الداخلية حول أحداث سبتة.. خطاب السردية الأمنية في مواجهة الأزمة الاجتماعية

صورة
   - حسن اليوسفي المغاري -  elyousfi@gmail.com جاء بلاغ وزارة الداخلية المغربية بعد أربعة أيام من اندلاع أكبر موجة عبور جماعي نحو سبتة المحتلة، وهي مدة زمنية طويلة نسبيا في أزمة استحوذت على اهتمام الإعلام الدولي، وشهدت بيانات وتصريحات متلاحقة من السلطات الإسبانية، وتغطية واسعة من كبريات وسائل الإعلام العالمية . ولذلك، فإن السؤال الأول الذي يفرض نفسه ليس ما الذي قاله البلاغ، وإنما : لماذا تأخر؟ وما الذي أراد أن يصححه بعد أن أصبحت الرواية الإعلامية والسياسية للأزمة قد تشكلت بالفعل؟   خطاب دفاعي لا خطاب تفسير منذ الفقرة الأولى، لا يتجه البلاغ إلى تفسير الظاهرة بقدر ما يتجه إلى نفي المسؤولية عنها . فالفاعل الأساسي في الرواية الرسمية ليس الاختلالات الاجتماعية أو الاقتصادية، ولا حجم اليأس الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وإنما "الفضاء الرقمي"، و"المعلومات المضللة"، و"عصابات الاتجار بالبشر"، و"التأويلات الخاطئة ". وبذلك يتحوّل السبب من أزمة اجتماعية وسياسية داخلية إلى عوامل خارجية أو تقنية ، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي هي الت...