الذكاء الاصطناعي في العمل: من الاستخدام العشوائي إلى الاستخدام العلمي
قاعدة المعرفة، الوكلاء المتخصصون وهندسة
الأوامر
تمهيد
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية
جديدة يمكن للمؤسسات الإعلامية والصحافيين اختيار استخدامها أو عدم استخدامها. لقد
أصبح جزءا متناميا من بيئة العمل الحديثة، ودخل إلى مجالات البحث والإعلام
والتعليم والإدارة والتحليل وصناعة المحتوى واتخاذ القرار.
لكن انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي لا
يعني بالضرورة حسن استخدامها.
فهناك فرق جوهري بين شخص يستخدم
الذكاء الاصطناعي، وشخص يجيد توظيفه داخل منظومة عمل علمية. الفرق بين
الاثنين يشبه الفرق بين من يمتلك محرك بحث ومن يمتلك منهجا للبحث، أو بين من
يستعمل آلة حاسبة ومن يعرف كيف يبني نموذجا للتحليل.
ومن هنا يمكن التمييز بين نمطين أساسيين:
الاستخدام
العشوائي للذكاء الاصطناعي،
وهو استخدام يقوم غالبا على طرح أسئلة عامة، وتلقي إجابات جاهزة، وإعادة نسخها دون
بناء سياق معرفي أو التحقق من المصادر.
الاستخدام
العلمي للذكاء الاصطناعي،
وهو الذي يجعل الأداة جزءا من منهج عمل متكامل، يقوم على المعرفة المتخصصة،
والبيانات الموثوقة، وهندسة الأوامر، والتحقق البشري، وفي مستويات أكثر تقدما على
بناء نظام — وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين — AI Agents
أولا: الاستخدام العشوائي.. عندما تتحول الأداة إلى
بديل عن التفكير
أحد أخطر الأوهام المرتبطة بالذكاء
الاصطناعي هو الاعتقاد بأن مجرد استعمال أي
نموذج من النماذج اللغوية التوليدية يعني امتلاك
القدرة على العمل بالذكاء الاصطناعي.
هذا غير صحيح.
قد يستخدم شخص الأداة عشرات المرات
يوميا، لكنه يظل مستخدما سطحيا إذا كان يعتمد على أسئلة عامة من قبيل:
« اكتب لي مقالا عن الموضوع الفلاني. »
ثم ينسخ الناتج وينشره.
المشكلة هنا ليست في الأداة، وإنما في منهج
الاستخدام.
فالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يضمن
وحده صحة المعلومات، ولا يعرف بالضرورة السياق المؤسسي للمستخدم، ولا يستطيع
تلقائيا التمييز بين المعلومة الأساسية والهامشية، كما أن جودة الناتج ترتبط بدرجة
كبيرة بجودة المدخلات والسياق والتعليمات والمعايير التي يضعها المستخدم.
الأمر هنا يتطلب دراسة علم أو تحصص جديد
اسمه:
هندسة
الأوامر _ Ingénierie de
Prompt
ولهذا فإن الاستخدام العشوائي قد يؤدي
إلى:
- إنتاج
معلومات غير دقيقة أو غير موثقة
- إعادة
إنتاج أخطاء موجودة في البيانات
- تسطيح
القضايا المعقدة
- الاعتماد
المفرط على إجابات جاهزة
- إضعاف
المهارات المهنية والتحليلية
- تسريب
معلومات حساسة إلى أدوات غير مناسبة
- إنتاج
محتوى يبدو مهنياً لكنه يفتقر إلى العمق والتوثيق
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي مُسرّعا للعمل الخاطئ بدلا
من أن يكون أداة لتحسين العمل.
ثانيا: الاستخدام العلمي.. الذكاء الاصطناعي كمنظومة
عمل
الاستخدام العلمي ينطلق من مبدأ مختلف:
لا نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يفكر
بدلا منا؛ بل نبني له البيئة
المعرفية التي تساعده على العمل معنا.
وهذا التحول يتطلب أربعة عناصر مترابطة:
-
قاعدة بيانات تخصصية
-
وكيل متخصص
-
هندسة أوامر
-
تحقق بشري.
يمكن تصورها باعتبارها منظومة واحدة:
المعرفة _ السياق _ الوكيل _ الأمر
المتخصص _ الإنتاج _ التحقق _ التحسين
ثالثا: قاعدة البيانات التخصصية.. ذاكرة العمل
أهم انتقال يمكن أن يقوم به المستخدم هو
الانتقال من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجيبا عاما إلى التعامل
معه باعتباره مساعدا يعمل داخل قاعدة معرفية محددة.
فبدلا من أن نسأل نموذجا عاما عن موضوع
متخصص، نزوّده ببيئة معرفية خاصة بالمؤسسة أو المشروع.
وقد تتكون قاعدة البيانات التخصصية من:
- الوثائق
الرسمية
- كتب
- الدراسات
والأبحاث
- التقارير
- القوانين
والنصوص التنظيمية
- الإحصائيات
- الأرشيف
الصحفي
- محاضر
الاجتماعات
- قواعد
المصطلحات
- الملفات
التاريخية
- الأسئلة
المتكررة
- السياسات
والمعايير المهنية
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة
على إنتاج إجابات مرتبطة بالمجال الحقيقي الذي يعمل فيه المستخدم.
والأهم أن قاعدة المعرفة ليست مجرد
مستودع للوثائق؛ بل ينبغي أن تكون منظمة، قابلة للبحث، محدثة، ومصحوبة بمصادر ومراجع
واضحة وموثّقة.
رابعا: الوكلاء المتخصصون.. من المساعد العام إلى
«الخبير الرقمي»
المرحلة الأكثر تقدما هي بناء وكيل تخصص
_ Agent _
الوكيل ليس مجرد محادثة طويلة مع نموذج
ذكاء اصطناعي، بل منظومة تُهيّأ لكي تؤدي وظيفة محددة وفق تعليمات وقواعد ومصادر
وأدوات معينة.
يمكن مثلا بناء:
- وكيل
متخصص في الدراسات واللغات
- وكيل
متخصص في الصحافة والتحقق من المعلومات
- وكيل
متخصص في تحليل الوثائق
- وكيل
متخصص في القانون
- وكيل
متخصص في تحسين محركات البحث SEO
- وكيل
متخصص في تحليل البيانات
- وكيل
متخصص في أرشيف مؤسسة معينة
- وكيل
متخصص في العلوم الإنسانية
بصفة عامة، على الإنسان أن يبني قاعدة
بيانات بمنهجية البحث لكل وكيل متخصص، إذ يصبح الفرق الأساسي هنا أن الوكيل، ومن
خلال المنهجية والبرمجة، يعرف:
ماذا يفعل؟
كيف يفعل؟
ما المصادر التي
يعتمد عليها؟
ما الذي يُمنع
عليه فعله؟
متى يحتاج إلى
تدخل الإنسان؟
وكيف يقدم
النتيجة؟
وهذا هو الانتقال الحقيقي من استخدام
أداة إلى بناء نظام
عمل متكامل بالذكاء الاصطناعي،
حيث يصبح الإنسان هو المنتج والأداة المنفّذة.
خامسا: هندسة الأوامر.. لغة العمل مع الذكاء الاصطناعي
إذا كانت قاعدة البيانات تمثل المعرفة،
فإن هندسة الأوامر تمثل طريقة توجيه هذه المعرفة نحو مهمة محددة.
الأمر الجيد لا يقول فقط:
«اكتب مقالا عن الذكاء الاصطناعي.»
بل يحدد:
الدور + المهمة + السياق + المصادر +
المنهج + القيود + شكل الناتج + معايير الجودة.
مثلا، يمكن أن يكون الأمر:
«اعمل بوصفك باحثا متخصصا في أخلاقيات الذكاء
الاصطناعي. اعتمد فقط على الوثائق الموجودة في قاعدة المعرفة المرفقة. حدد الحجج
الرئيسية، ميّز بين الحقائق والاستنتاجات، لا تضف أي معلومة غير موثقة، ثم قدم
النتائج في صيغة ورقة عرض.»
هنا لم نعد أمام «سؤال» عادي.
نحن أمام بروتوكول عمل.
وهذا هو جوهر هندسة الأوامر المتخصصة.
سادسا: الإنسان لا يخرج من المعادلة
هذه النقطة أساسية، خصوصا عندما يتعلق
الأمر بالإعلام وصناعة المعرفة.
الاستخدام العلمي للذكاء الاصطناعي لا
يعني تسليم القرار للآلة.
بل العكس.
كلما ارتفع مستوى استخدام الذكاء
الاصطناعي، ارتفعت الحاجة إلى الرقابة البشرية.
فالإنسان هو الذي:
- يحدد
الهدف
- يختار
المصادر
- يبني
قاعدة المعرفة
- يضع
المعايير
- يصمم
الوكيل
- يراجع
النتائج
- يتحقق
من المعلومات
- يتحمل
المسؤولية المهنية والأخلاقية فيما ينشر
لذلك فإن النموذج الصحيح ليس:
الإنسان ← الذكاء الاصطناعي
بل:
الإنسان + التخصص + المعرفة + المصادر
الموثوقة + تغذية الوكيل + الذكاء الاصطناعي + التحقق.
سابعا: من هندسة الأوامر «Prompt» إلى بناء
سير عمل «Workflow»
المستوى المتقدم لا يتوقف عند كتابة أمر
جيد.
المطلوب هو بناء سير عمل Workflow
مثلا عندنا في العمل الصحفي:
جمع الوثائق + تصنيفها + استخراج
المعلومات + التحقق + تحليل المعطيات + إنتاج المسودة + التدقيق + التوثيق ثم
النشر.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في معظم
هذه المراحل، لكن وفق أدوار محددة وقواعد واضحة.
وهنا يمكن أن يعمل أكثر من وكيل IA- Agent داخل
المشروع نفسه:
وكيل للبحث
↓
وكيل للتحقق
↓
وكيل للتحليل
↓
وكيل للتحرير
↓
وكيل للتدقيق وSEO
مع بقاء الإنسان في موقع المشرف
والمقرر النهائي.
ثامنا: الاستخدام العلمي هو أيضا قضية أخلاقية
من منظور العمل الصحفي، لا يمكن فصل
استخدام الذكاء الاصطناعي عن المسؤولية الأخلاقية.
فالسؤال ليس فقط:
ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟
بل:
ماذا ينبغي أن نجعله يفعل؟
وهنا تظهر مبادئ أساسية:
الدقة، الخصوصية، المسؤولية، عدم
التضليل، حماية البيانات، احترام الملكية الفكرية للمصدر، وعدم تحويل التقنية إلى
بديل عن الحكم الإنساني.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع كفاءة
الإنسان، لكنه لا ينبغي أن يلغي مسؤوليته.
رأيي الشخصي
في تقديري، المشكلة المستقبلية لن
تكون فيمن يستخدم الذكاء الاصطناعي ومن لا يستخدمه، وإنما في الفرق بين من يستخدمه بطريقة عشوائية ومن
يستخدمه بمنهجية.
وسيتسع خلال السنوات المقبلة الفارق بين
المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لإنتاج نصوص وصور
وفيديوهات، والمؤسسات التي تبني حوله بنية معرفية وعمليات عمل ووكلاء
متخصصين.
وهذا الفارق سيكون حاسما.
المستخدم العشوائي سيظل يسأل:
ماذا تستطيع أن تفعل لي؟
أما المستخدم المحترف بعد بناء وكيل
وتغذيته تغذية علمية، فسيسأل:
كيف أبني منظومة ذكاء اصطناعي متخصصة
تساعدني على أداء هذه المهمة بصورة أفضل وأسرع وأكثر دقة؟
وهنا تحديدا يبدأ الاستخدام العلمي.
فالمستقبل ليس للذكاء الاصطناعي وحده،
ولا للإنسان وحده، وإنما للإنسان الذي يعرف كيف يبني علاقة ذكية ومنهجية
وأخلاقية مع الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة
يمكن اختزال المنهج في معادلة عملية:
"قاعدة
معرفة متخصصة:
- هندسة
أوامر متقدمة
- وكلاء
ذكاء اصطناعي متخصصون
- سير
عمل واضح
- تحقق
بشري
= استخدام علمي للذكاء الاصطناعي".
أما الاستخدام العشوائي، مهما بدا سريعا
ومبهرا، فيظل في النهاية استهلاكا عشوائيا للذكاء الاصطناعي.
والفارق بين الاستهلاك والاستثمار هو،
في رأيي، أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها اليوم ونحن ندخل مرحلة جديدة من
علاقة الإنسان بالآلة.

تعليقات