غزة في "قفص البيانات": الحرب السيبرانية وتساؤلات السيادة في عصر التطبيع الرقمي (2024-2025)

حسن إليوسفي 20 دجنبر 2025 لم تعد ساحة المعركة في قطاع غزة محصورة في النطاق الجغرافي للقطاع، بل تحولت إلى "ميدان رقمي" مفتوح يدمج بين تكنولوجيا المراقبة المتطورة، وحروب البيانات الضخمة، والتحالفات الاستراتيجية. إن الحرب التي شهدناها خلال عامي 2024 و2025 كشفت عن وجه جديد للحروب؛ حيث باتت "البنية الرقمية للحرب" أداةً فاعلة في يد جيش الاحتلال الإسرائيلي لتغيير موازين القوى الميدانية. البنية الرقمية للحرب: من الميدان إلى الخوارزمية لقد اعتمدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة على دمج البيانات الضخمة (Big Data) في صلب العقيدة القتالية. من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يتم معالجة مليارات البيانات اللحظية (تتبع المواقع، الاتصالات، البيانات البيومترية)، لتحويل كل مواطن في غزة إلى هدف محتمل عبر ما يعرف بـ "توليد الأهداف الآلي". هذا التطور في التجسس السيبراني لم يكن ليتأتى لولا بناء بنية تحتية رقمية تتيح للاحتلال السيطرة على الفضاء السيبراني بالكامل. المراقبة الإلكترونية والتبعية الإقليمية في ظل هذا المشهد، تبرز إشكالية الأمن السيبراني الإقليمي. إن التقارب التقني بين إسرائيل وبعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، أثار مخاوف حقوقية وتقنية واسعة. فالتعاون في مجال الأمن السيبراني لم يعد يقتصر على الصفقات التجارية، بل تحول إلى تكامل استخباراتي. وقد أشارت تقارير حقوقية دولية إلى أن الأنظمة التي تُروج لها الشركات الإسرائيلية، وتُديرها أو تتبناها مراكز إقليمية، ساهمت بشكل أو بآخر في تعزيز قدرات المراقبة الإلكترونية التي تحاصر المقاومة وتُقيد قدرتها على الحركة في الفضاء الرقمي. الدور الإسرائيلي وتواطؤ الأنظمة لا يمكن فصل الدور الإسرائيلي في التجسس عن التغطية السياسية التي توفرها بعض المواقف الإقليمية. فبينما تتعرض غزة لحصار رقمي كامل (قطع الإنترنت والاتصالات لتعمية العالم عن جرائم الحرب)، تلتزم هذه القوى الإقليمية الصمت، بل وتستمر في تطوير شراكاتها التكنولوجية مع تل أبيب. هذا "التآمر الصامت" يتجلى في صفقات الأمن السيبراني التي تُبرم تحت غطاء "التحول الرقمي"، مما يمنح الاحتلال وصولاً أوسع لبيانات المنطقة، ويُضعف الجبهة العربية الموحدة ضد الاختراق الرقمي. مستقبل السيادة الرقمية: تحدي الاستقلال إن ما كشفت عنه الحرب في غزة هو أزمة وجودية في مفهوم "السيادة الرقمية". فالدول التي ترهن بنيتها التحتية للأنظمة التكنولوجية الإسرائيلية أو المرتبطة بها، تفقد فعلياً جزءاً من سيادتها الوطنية. إن مستقبل السيادة الرقمية في المنطقة العربية بات مرهوناً بالقدرة على التحرر من التبعية التقنية، وبناء أنظمة سيبرانية مستقلة لا تُسخر لخدمة أهداف الاستخبارات العسكرية للاحتلال. خاتمة: نحو وعي رقمي تحرري إن الحرب السيبرانية على غزة ليست مجرد تقنية مستخدمة في القتال، بل هي جزء من مشروع جيوسياسي أوسع يهدف إلى "تطويع الوعي الرقمي". إن التحدي القادم أمام النخب الفكرية والإعلامية هو كشف خيوط هذا التآمر التكنولوجي، والمطالبة بقطع كل أشكال التطبيع الرقمي التي تمنح جيش الاحتلال "العين" التي يرى بها في كل مكان، و"السيف" الذي يضربه في عمق خصوصية الشعوب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..