الخذلان العربي الرسمي: حين يتحول الصمت إلى شريك في الجريمة
لا
يمكن قراءة المشهد في غزة مع نهاية عام 2025 دون التوقف مليا عند "العقدة
العربية"؛ تلك الفجوة السحيقة بين الوجدان الشعبي الذي يغلي، والقرار السياسي
الرسمي الذي يبدو وكأنه يعمل في كوكب آخر. إن الخذلان العربي ليس عرضاً طارئاً، بل
هو تراكم لبنيان سياسي ارتهن طويلاً للمظلة الأمريكية، وارتعد خوفاً من
"تغيير قواعد اللعبة" التي قد تمس استقرار أنظمةٍ وضعت بقاءها في كفة،
وفلسطين في كفة أخرى.
أولا:
أزمة الشرعية والارتهان للموقف الأمريكي
لقد
كشفت الحرب المستمرة منذ أكثر من 400 يوم أن "الأمن القومي العربي" أصبح
مفهوماً مرنا يتقلص ليناسب الرؤية الأمريكية. إن الدول العربية، وفي مقدمتها دول
الطوق، وجدت نفسها أسيرة معادلة صعبة:
خوف
"الثقب الأسود": تخشى العديد من الأنظمة أن أي حراك تضامني حقيقي مع غزة
قد يُترجم شعبيا كدعم للمقاومة، وهو ما قد يفتح أبوابا لم تكن ترغب في فتحها
لإصلاحات أو تغييرات سياسية داخلية.
الارتهان
لواشنطن: تحول الموقف الرسمي إلى "وسيط" يحاول إرضاء واشنطن وتل أبيب
بدلا من كونه طرفا فاعلا يفرض شروطه. إن قبول هذه الأنظمة بالتحول إلى
"مديري أزمات" -بدلا من كونهم صناع قرار- جعل القضية الفلسطينية ورقة
تفاوض في ملفات إقليمية أخرى، بدلا من كونها بوصلة وجودية.
ثانيا:
خطابات "التعايش" في زمن الإبادة
من
المفارقات المؤلمة في عام 2025 ظهور مقترحات سياسية، أطلقتها بعض العواصم العربية،
تتحدث عن "برامج للتعايش ومكافحة خطاب الكراهية" في غزة. هذا الطرح،
الذي قوبل باستهجان شعبي ونخبوي واسع، يمثل قمة الانفصال عن الواقع:
تجميل
القبح: إن محاولة الحديث عن "التعايش" في الوقت الذي يُسحق فيه شعب
بأكمله وتُدمر فيه معالم الحياة، هو محاولة بائسة لتطبيع الظلم نفسه. لقد رأى
المراقبون في هذه المبادرات محاولة لتقديم "أوراق اعتماد" للغرب والكيان
الصهيوني، بدلاً من توظيف القوة السياسية والدبلوماسية لإيقاف المذبحة.
ثالثا:
"العجز الممنهج" في جامعة الدول العربية
لم
تعد بيانات الإدانة والشجب التي تصدر عن المنظومة العربية الرسمية تثير سوى
السخرية والأسى. لقد أثبتت هذه المؤسسات عجزها البنيوي عن اتخاذ قرارات سياسية أو
اقتصادية حقيقية (مثل التلويح بسلاح النفط أو سحب السفراء أو قطع العلاقات):
أزمة
الثقة: بات المواطن العربي يشعر بأن النظام الرسمي "شاهد صامت" بل
وأحياناً "متواطئ". إن تكرار سيناريوهات القمم التي لا تغير من واقع
الحصار شيئاً، جعل من "الخذلان الرسمي" عنواناً عريضاً لهذه المرحلة
التاريخية.
رابعا:
هل نحن أمام "مرحلة السقوط الأخلاقي"؟
التحليل
الواقعي يشير إلى أن 2025 هو عام انكشاف "أزمة الشرعية". الأنظمة التي
اختارت أن تراهن على انكسار غزة، ظناً منها أن ذلك سيحمي عروشها أو ينهي الصداع
الفلسطيني، قد تكون أخطأت قراءة التاريخ:
إن
غزة، بصمودها الأسطوري، لم تكن تحارب إسرائيل فحسب، بل كانت تكشف خواء النظام
الإقليمي العربي.
إن
التاريخ الذي يُكتب اليوم بالدم في شوارع غزة، سيضع الأنظمة العربية في خانة
المتفرجين على تصفية آخر قضايا التحرر الوطني في العصر الحديث.

تعليقات