غزة.. تآمر الحرب والبرد والصمت العربي على الحياة


 

حسن اليوسفي المغاري

-------------


غزة لا تصرخ عبثا، ولا تنادي فراغا. غزة تنادينا لأن الوجع بلغ حدّه، ولأن الصمت صار شريكا في الجريمة.

هناك، لا تُقاس الأيام بالتواريخ، بل بعدد الشهداء، بعدد البيوت التي صارت ركاما، وبعدد القلوب التي أُنهكت من الانتظار.

الطفل في غزة يكبر قبل أوانه، يتعلّم الخوف قبل الحروف، ويعرف أسماء الطائرات أكثر مما يعرف ألعاب الطفولة.

الأم تحفظ وجوه أبنائها عن ظهر قلب، لا حُبّا فقط، بل خوفا من أن تودّعهم بلا وداع.

غزة تحاسبنا لأننا رأينا ولم نتحرك، سمعنا ولم نصرخ، اكتفينا ببيانات باردة بينما كانت الدماء ساخنة على الأرض. تحاسبنا لأن عواصمنا ازدانت بالأضواء، فيما سماء غزة كانت تشتعل بالنار. لأننا احتفلنا بالحياة، وتركناها تواجه الموت وحدها.

ولم تكتفِ الحرب بما فعلت، فجاء الطقس ليكمل الحصار.

مطرٌ يتسرّب إلى خيام مهترئة، وبردٌ ينهش أجساد الأطفال، ورياح تقتلع ما تبقّى من ستر النازحين. لا جدران تحمي، ولا دفء يُحتضن، ولا ليل يمرّ بلا ارتجاف. وحتى الشمس حين تشرق، تأتي قاسية، خانقة، تزيد التعب وتفتح أبواب المرض على أجساد أنهكها الجوع والخوف.

غزة اليوم واجهت وتُواجه على جبهات متعددة:

قصف لا يهدأ، حصار يخنق، جوع يفتك، وطقس متقلّب يزيد الألم ألمًا. ومع ذلك، لم تنكسر.

من بين الركام يولد الصمود، ومن بين الدموع تُكتب الكرامة، ومن تحت الخيام تُرفع رؤوس تعرف أن الحق لا يُهزم.

غزة مرآتنا الثقيلة.. من ينظر إليها بصدق، يرى حجم التقصير، ويرى أن القضية لم تكن بعيدة يومًا، نحن فقط من ابتعدنا.

وغزة، رغم الجراح، ما زالت تنادينا.

لا لتسمع كلماتنا، بل لتختبر إن كان في هذه الأمة ما يستحق أن يُسمّى ضميرا.

 

في ديسمبر 2025، وبعد أكثر من 400 يوم من حرب الإبادة التي لم تشهدها البشرية في العصر الحديث بذات الوحشية الممنهجة، لم تعد غزة مجرد جغرافيا محاصرة، بل تحولت إلى "مختبر كوني" لاختبار حدود الضمير الإنساني وقدرة الإنسان على الصمود تحت سحق ثلاثة محاور متقاطعة: آلة الحرب الصهيونية، قسوة الطبيعة، والخذلان العربي الصامت.

 

أولا: آلة الحرب.. هندسة القتل البطيء

لم تكتفِ الحرب في غزة بنيران القنابل والمدافع، بل تطورت إلى "هندسة إبادة" شاملة. حتى نهاية عام 2025، استمرت استراتيجية "التجويع الممنهج" و"التدمير الصفري" للبنية التحتية. لم يعد الهدف هو العمليات العسكرية بقدر ما هو محو إمكانية الحياة:

  • تدمير النسيج الاجتماعي: تقطيع أوصال القطاع إلى جزر معزولة، مما جعل التنقل -حتى للنجاة- مغامرة مميتة.
  • انهيار المنظومة الصحية: خروج أغلب المستشفيات عن الخدمة ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب الحصار المطبق الذي منع وصول الوقود والمستلزمات الطبية، مما جعل الموت في غزة "مؤسسياً".

 

ثانيا: الطبيعة.. الحليف الخفي للجلاد

في غزة، أصبحت العناصر الطبيعية شريكاً غير مقصود في معاناة الناس. مع دخول شتاء 2025، تفاقمت الكارثة الإنسانية إلى أبعاد غير مسبوقة:

  • الخيام الهشة أمام غضب الشتاء: تحولت مخيمات النازحين في المناطق الساحلية إلى برك من الطين والأوحال، حيث فقدت الخيام البلاستيكية قدرتها على الصمود أمام الرياح والأمطار، مما حول حياة الملايين إلى كابوس ليلي من البرد والجوع.
  • الأوبئة: أدى تراكم النفايات وتدمير شبكات الصرف الصحي، بالتزامن مع الفيضانات الموسمية، إلى انتشار أوبئة جلدية ومعوية في ظل غياب تام لأي رعاية صحية، لتصبح الطبيعة -في ظل غياب البنية التحتية- مصدراً إضافياً للتهديد بدلاً من كونها ملاذاً.

 

ثالثا: الصمت العربي.. "الجريمة الكبرى"

لعل الفاجعة الأكثر إيلاماً في سردية غزة ليست في ما يفعله العدو، بل في "التطبيع مع الموت" الذي مارسته العواصم العربية. الصمت العربي هنا ليس مجرد حياد، بل هو:

  • عجز سياسي متعمد: تحولت القمم والاجتماعات إلى بيانات إنشائية خالية من أي أدوات ضغط حقيقية، مما منح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في حربه دون أي كلفة سياسية.
  • تغليب الأمن القومي الضيق: غلبت الحسابات القطرية والاتفاقيات الإقليمية على مفهوم "الأمن القومي العربي" الشامل، مما جعل غزة وحيدة في مواجهة مصيرها، في مشهد يعيد إنتاج هزائم التاريخ ولكن بصبغة أكثر قسوة.

 

رابعا: الخلاصة.. غزة في ذمة التاريخ

بحلول ديسمبر 2025، بات واضحاً أن العالم العربي ليس مجرد متفرج، بل هو "شاهد صامت" على تحلل المعنى القومي والإنساني. إن "تآمر" هذه العناصر الثلاثة لم يقتل الفلسطينيين فحسب، بل قتل "المشروعية الدولية" و"الضمير الإقليمي".

غزة اليوم ليست في حاجة إلى مساعدات إنسانية موسمية بقدر حاجتها إلى كسر هذا المثلث. إن التاريخ سيكتب أن غزة صمدت أمام آلة الحرب، وقاومت قسوة الطبيعة، ولكنها نُحرت على مذبح الصمت العربي. والسؤال الذي يطاردنا في مكاتب التحرير ونحن نوثق هذه الفصول السوداء: كيف سيقرأ الجيل القادم، الذي وُلد وعاش تحت هذه النيران، تاريخ أمةٍ اختارت أن تصمت بينما كان العالم يمحو جزءاً من روحها؟

 

إننا، وإذ ننشر هذا التحليل، نؤكد أن التوثيق هو أضعف الإيمان، ولكننا نؤمن أن الحقيقة ستظل هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن لآلة الحرب ولا للصمت أن يغتالاه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عندما يصبح التشهير صحافة..

من “صحافة كاري حنكو” إلى ماكينة التشهير

مشروع قانون لحماية الفساد الانتخابي..