نقاش هادئ مع الدكتور بلقزيز حول "صفة المثقّف"
بالعربي من باريس
حسن اليوسفي المغاري
النص الذي أوردتُه يوم أمس للدكتور عبد الإله بلقزيز، وفي إطار محاولة "تحليل النصوص"، يمثل دعوةً لإعادة ترسيم الحدود المفاهيمية بين "الكاتب"، "الباحث"، و"المثقف"، وهي محاولة لتفكيك الانزياح اللفظي الذي جعل من هذه المصطلحات مترادفات في الاستخدام اليومي.
لنضع
إذن أطروحة د.بلقزيز تحت مجهر النقاش الفكري..
بين
القلم والموقف: في الحاجة إلى "مثقف" لا يكتفي بالإنتاج الذهني
في
كتابه "الثقافة، المعرفة والإيديولوجيا"، لا يكتفي الدكتور عبد الإله
بلقزيز بتعريف المثقف، بل يشرع في عملية "فرز" ضرورية للمجال الذهني.
يرى بلقزيز أن مهنة الكتابة أو تخصص البحث العلمي ليسا جوازي مرور كافيين لنيل صفة
"المثقف". فما هي معالم هذا النقد، وكيف يمكننا مساءلته؟
في
جوهر الأطروحة: "المثقف" كفائض عن المهنة..
يبني
بلقزيز تعريفه للمثقف على تجاوز الوظيفة. فالكاتب قد يبلغ شأواً من البراعة
الأسلوبية، والباحث قد يغرق في تراكم المعارف، لكنهما يظلان –في نظر د.بلقزيز– في
دائرة "التقنية الذهنية". المثقّف عند بلقزيز هو "المعنى"
المضاف؛ هو ذلك الذي يُخرج المعرفة من عزلتها الأكاديمية أو التقنية ليحملها إلى
أفق عام، مُحوّلاً العمل الذهني إلى "موقف" أو "مشروع" لا يقف
عند حدود المعرفة كغاية حصرية.
في
محاور للنقاش والمساءلة..
عند
إخضاع هذا التعريف للنقاش، يمكننا طرح ثلاث زوايا نقدية:
•
أزمة
التخصّص المفرط: إذا كان بلقزيز يطالب المثقف بتوجيه عمله "وجهة تتجاوز
المعرفة المحضة"، فهل يعني ذلك تحميل المثقف أعباءً إيديولوجية أو سياسية قد
تنتقص من "حياد" الباحث العلمي؟ أين تنتهي "المسؤولية
الثقافية" وأين تبدأ "الشعبوية الفكرية"؟
•
المعيارية
في التوصيف: يُلحظ في النص نبرة استعلائية (مفهومية) تضع المثقف في طبقة
"نوعية" أعلى من الكاتب والباحث. هذا التمييز يطرح إشكالا ديمقراطيا: هل
المثقف "صفة إنجازية" مكتسبة بمرور الزمن، أم هي "هوية
جوهرية" تمنح صاحبها حق الوصاية على إنتاج الآخرين؟
•
سؤال
السياق: في عصر "المعلوماتية" و"التخصص الدقيق"، هل لا يزال
بإمكاننا المطالبة بـ "المثقف الكلي"؟ أم أن النموذج الذي يطرحه بلقزيز
يحنّ إلى زمن المثقف الموسوعي، متجاهلا تعقيدات المعرفة الراهنة التي قد تمنع
الباحث من الخروج عن نطاق تخصصه؟
خلاصة
القول
إن
قيمة طرح الدكتور عبد الإله بلقزيز تكمن في "إعادة الاعتبار للذاتية".
هو لا يقرأ المثقف كأرشيف للمعلومات، بل كضمير معرفي. ومع ذلك، فإن النقاش حول هذا
النص يجب أن يتجاوز الموافقة أو الرفض إلى تساؤل أعمق: كيف نحافظ على
"عُمق" المثقف دون أن نُحوّله إلى واعظ، وكيف نحمي "دقة"
الباحث دون أن نُحيله إلى مجرد آلة لإنتاج الأوراق العلمية؟
إن
تعريف د.بلقزيز للمثقف ليس تعريفا جامعا مانعا بالمعنى المنطقي، بل هو دعوة
أخلاقية للارتقاء بالعمل الذهني من مستوى "الوظيفة" إلى مستوى
"الرسالة".
سؤال
للنقاش:
في
ظل انحسار دور المثقف التقليدي لصالح "المؤثّر" أو "الخبير
المتخصص"، هل لا يزال تعريف د.بلقزيز للمثقّف صالحا كمعيار للتقييم، أم أننا
نحتاج إلى تعريفات جديدة تستوعب تحوّلات الفضاء العام الرقمي؟
.يجب أن نستطلع ونُناقش أيضا هابرماس في موضوع المثقّف والفضاء العام الرقمي

تعليقات